حجم الخط:

الآيات (23-30)

الآية (23): قال الضحاك بن مُزَاحِم في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ : هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

الآية (24): قيل: المراد بالخطاب بـ﴿ اهْبِطُوا آدم وحواء، وإبليس والحيّة. ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم. والعمدة في العداوة آدم وإبليس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا الآية [طه:123]، وحواء تبع لآدم. والحية - إن كان ذكرها صحيحًا - فهي تبع لإبليس.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ أي: قرار، وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدّر، وسُطّرت في الكتاب الأول.

الآية (25): قوله: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كقوله تعالى: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ [طه:55] يخبر تعالى أنه جعل الأرض دارًا لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم المَعَادِ، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلًا بعمله.

الآية (26): يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والرِّياش؛ فاللباس المذكور ههنا: لستر العورات -وهي السوآت- والرياش والريش: هو ما يُتجَمّل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات. وقوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ اختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. وقال قتادة، وابن جُرَيْج: الإيمان. وقال ابن عباس: العمل الصالح. وعن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه. وعن عُرْوَة بن الزبير: خشية الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتقي الله، فيواري عورته، فذاك لباس التقوى. وكلها متقاربة.

الآية (27): يقول تعالى محذرًا بني آدم من إبليس وقبيله، مبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعدما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50].

الآية (28): كانت العرب -ما عدا قريشًا- لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش -وهم الحُمْس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسِي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يُلقيه فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا، طاف عريانًا. وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا يستره بعض الشيء وتقول:

اليوم يبدُو بعضُه أو كُلُّه *** وما بَدا منه فلا أُحلّهُ

وأكثر ما كان النساء يَطُفْنَ عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه مِن تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أنّ فِعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ، فقال تعالى ردًا عليهم: ﴿ قُلْ أي: قل يا محمد لمن ادعى ذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: أتُسْنِدون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.

الآية (29-30): قوله: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي: بالعدل والاستقامة، ﴿ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها؛ وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وجاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته؛ فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك. وقوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿٢٩ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ اختُلف في معنى قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فقال مجاهد: يحييكم بعد موتكم. وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولًا، كذلك يعيدكم آخرًا.

عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله بموعظة فقال: «يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. وعن مجاهد قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. وقال ابن عباس قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿٢٩ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا؛ كما قال: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم: مؤمنًا وكافرًا.

ثم علّل ذلك فقال: ﴿ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ قال ابن جرير: وهذا من أبيَن الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى فرق. وقد فَرَّق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.