الآية (23): ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ أي: لعظمته وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة؛ كما قال: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة:255]، وقال: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ [النجم:26].
﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ﴾ هذا أيضًا مقام رفيع في العظمة؛ وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه، أرْعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي. قاله ابن مسعود ومسروق. ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: زال الفزع عنها. قال ابن عباس وابن عمر: جُلِّي عن قلوبهم. فإذا كان كذلك يسأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿ قَالُوا الْحَقَّ ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾. وقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا. قال مجاهد: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني: ما فيها من الشك، قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم، ﴿ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ قال: وهذا في بني آدم، هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقد اختار ابن جرير القول الأول: أن الضمير عائد على الملائكة. هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفا يدل على غيره: عن أبي هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعَانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير [رواه البخاري]. وعن ابن عباس وقتادة: أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله سبحانه إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.
الآية (24-27): يقول تعالى مقرِرًا تفرُّدَه بالخلق والرزق، وانفراده بالإلهية أيضًا، فكما كانوا يعترفون بأنه لا يرزقهم من السماء والأرض - أي: بما يُنزل من المطر وينبت من الزرع- إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي: واحد من الفريقين مبطل والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إنّ أحد الفريقين لمهتد. وقال عِكْرِمة: معناها: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. ﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ معناه: التبرّي منهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بُرآء منكم وأنتم برآء منا؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﱠ [يونس: 41]. ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ﴾ أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ﴾ أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ [الروم:14-16]؛ ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾ أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور. ﴿ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ﴾ أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا، وصيرتموها له عدْلًا. ﴿ كَلَّا ﴾ أي: ليس له نظير ولا نَديد، ولا شريك ولا عديل، ولهذا قال: ﴿ بَلْ هُوَ اللَّهُ ﴾ أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ أي: ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وَغَلَبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس.
الآية (28): يقول تعالى لعبده محمد ﷺ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين؛ كقوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف:158]. ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ أي: تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار. ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف:103]. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «بُعثت إلى الأسود والأحمر» [رواه مسلم]. قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم، والكل صحيح.
الآية (29-30): قال تعالى مخبرًا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ﴾ [الشورى:18] الآية. ﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزداد ولا ينتقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح:4].
الآية (31): يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم، وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قال تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا، ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجّهم: ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهم الأتباع ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم: ﴿ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: لولا أنتم تصدونا، لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به.