حجم الخط:

الآيات (23-32)

الآية (23): قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أي: إنَّما يَأْتَـمِر بهواه، فمهما رآه حَسَنًا فَعَله، ومهما رآه قبيحًا تَرَكه، وعن مالك: لا يهوى شيئًا إلا عبَدَهُ.

وقوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ يحتمل قولين: أحدهما: وأَضَلَّه اللهُ لعِلْمِه أنه يَسْتَحِقُّ ذلك. والآخر: وأَضَلَّه الله بعد بلوغ العِلْم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يَسْتَلْزِمُ الأوَّل، ولا ينعكس.

﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يَرَى حجةً يستضيء بها؛ ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ كقوله: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف:186].

الآية (24-26): يُخْبِرُ تعالى عن قول الدَّهْرية من الكفار، ومن وافَقَهم من مشركي العَرَب في إنكار المعاد: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا أي: م عز وجل ا ثَمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معادٌ ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمَعَاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرَّجْعَة، وتقوله الفلاسفة الدَّهْرِيَّة الدَّوْرِيَّة المنكرون للصَّانِع، فكابروا المعقول وكَذَّبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي: يتَوَهَّمُون ويَتَخَيَّلون.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «يقول الله تعالى: يُؤْذِينِي ابن آدم؛ يَسُبُّ الدَّهْر وأنا الدَّهْر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ ليله ونهاره» [متفق عليه]. وفي رواية: «لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر» [رواه مسلم]، قال الشافعي وأبو عبيدة: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شِدَّة أو بلاء أو نَكبَة، قالوا: يا خَيْبَةَ الدهر. فيُسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويَسُبُّونَه، وإنما فاعلها هو الله عز وجل ، فكأنهم إنما سَبُّوا الله عز وجل ؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهيَ عن سَبِّ الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدَّهر الذي يعنونه، ويُسنِدُون إليه تلك الأفعال. هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم. وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث.

﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ أي: إذا اسْتُدِلَّ عليهم وبُيِّنَ لهم الحقُّ، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتَفَرُّقها ﴿ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: أَحْيُوْهم إن كان ما تقولونه حَقًّا. قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ أي: كما تشاهدون ذلك، يخرجكم من العدم إلى الوجود، ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] أي: الذي قَدِرَ على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27]، ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أي: إنما يجمعكم ليوم القيامة لا يُعِيدُكم في الدنيا، ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شكَّ فيه، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا ينكرون الـمَعَاد، ويستبعدون قيام الأجساد.

الآية (27-29): يُخْبِرُ تعالى أنه مالك السموات والأرض، والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: يوم القيامة ﴿ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وهم الكافرون بالله الجاحدون ما أَنْزَلَهُ على رُسُلِه من الآيات البينات والدلائل الواضحات. ثم قال: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً أي: على رُكَبِها من الشِّدَّة والعَظَمَة، ويُقَال: إن هذا إذا جِيءَ بجهنم فإنها تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يبقى أحد إلا جَثَا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول: نفسي، نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، وحتى إن عيسى ليقول: لا أسألكَ اليوم إلا نفسي، لا أسألكَ مريم التي ولدتني. قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن: ﴿ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً أي: على الركب. وقال عِكْرِمة: ﴿ جَاثِيَةً : مُتَمَيِّزَةً على ناحيتها، وليس على الرُّكَبِ. والأول أولى. وقوله: ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا يعني: كتاب أعمالها؛ كقوله: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر:69]؛ ولهذا قال: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشَرّها. ثم قال: ﴿ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص؛ كقوله: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]. وقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: إنا كنا نأمر الـحَفَظَة أن تَكْتب أعمالكم عليكم.

قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تَصْعَد بها إلى السماء، فيُقَابِلُون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم ممَّا قد أُبْرِزَ لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلةِ قَدْر، ممَّا كَتَبَه الله في القِدَم على العباد قبل أن يَخْلُقَهم، فلا يزيد حرفًا ولا يَنْقُص حرفًا، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

الآية (30-32): يُخْبِر تعالى عن حُكمه في خلقه يوم القيامة، فقال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: آمنت قلوبهم وعَمِلَت جوارحهم الأعمال الصالحة، وهي الخالصة الموافقة للشَّرْع ﴿ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وهي الجنة، كما ثَبَتْ أن الله قال للجنة: «أنتِ رحمتي، أَرْحَمُ بك من أشاء» [متفق عليه].

﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي: البَيِّن الواضح.

ثم قال: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ ؟! أي: يُقَال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا: أَمَا قُرِئَتْ عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأَعْرَضْتم عن سماعها.

﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟! ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك ﴿ قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي: لا نعرفها، ﴿ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أي: إِنْ نَتَوَهَّمُ وقوعها إلا تَوَهُّمًا، أي مَرْجُوحًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي: بمُتَحَقِّقِين.