الآية (24): ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ فَهُدُوا إلى المكان الذي يَسمَعُون فيه الكلام الطَّيِّب، لا كما يُهَان أهل النار بالكلام الذي يُرَوَّعون به ويُقَرَّعون به. ﴿ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ أي: إلى المكان الذي يَحمَدُون فيه ربهم، على ما أَحسَن إليهم وأَنعَم به وأسداه إليهم، «يُلْهَمون التسبيح والتحميد، كما يُلْهَمون النَّفَسَ» [رواه مسلم]. وقيل: ﴿ الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة. ﴿ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ أي: الطريق المستقيم في الدنيا. وكل هذا لا يُنافي ما ذكرناه، والله أعلم.
الآية (25): يقول تعالى منكرًا على الكفار في صَدِّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أي: ويَصُدُّون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحقُّ الناس به في نفس الأمر.
﴿ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ﴾ شرعًا ﴿ سَوَاءً ﴾ لا فَرقَ فيه بين الـمُقِيمِ فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، ﴿ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسُكنَاها، قال ابن عباس: يَنزِل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. وقال مجاهد: أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل. وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد. وقال قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله. ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنه ظُلْمٌ، ليس بِمُتَأَوِّل. قال ابن عباس: ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ بشِرْك، وقال مجاهد: أن يَعبُدَ فيه غير الله. وكذا قال غير واحد.
وهذه الآثار، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء.
الآية (26-27): ذَكَر تعالى أنه بَوَّأ لإبراهيم مكانَ البيت، أي: أرشده إليه، وسلَّمه له، وأَذِن له في بنائه. ﴿ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي ﴾ أي: ابْنِه على اسمي وحدي، ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ قال مجاهد وقتادة: من الشرك، ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، ﴿ وَالْقَائِمِينَ ﴾ أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ فقَرَن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يُشرَعَان إلا مُختَصَّيْن بالبيت.
﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾ ذُكِر أنه قال: يا ربِّ، وكيف أُبَلِّغ الناس وصوتي لا يَنفُذُهم؟ فقيل: نادِ، وعلينا البلاغ. فبَلَغَ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشَجَر، ومن كَتَبَ الله أنه يَحُجُّ إلى يوم القيامة: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ». هذا مضمون ما روي عن ابن عباس وغير واحد من السلف، والله أعلم. وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ الآية، قد يَستدلّ بهذه الآية من ذَهَب من العلماء إلى أن الحجَّ ماشيًا –لمن قَدَر عليه- أفضلُ من الحجِّ راكبًا، والأكثرون على أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداءً برسول الله ﷺ؛ فإنه حَجَّ راكبًا مع كمال قوته. ﴿ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ ﴾ يعني: طريق، ﴿ عَمِيقٍ ﴾ أي: بعيد. قاله مجاهد وعطاء وغير واحد.
الآية (28-29): ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يُصِيبون من منافع البُدْن والذبائح والتجارات. وكذا قال مجاهد وغير واحد. ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ قال ابن عباس: الأيام المعلومات: أيام العشر، وروي مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. والعشر مشتمل على يوم عرفة؛ سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية» [رواه مسلم]، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد وَرَد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله. [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني]. [وقيل] في الأيام المعلومات [غير ذلك]. ﴿ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم. ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ استَدَلَّ بهذه الآية من ذَهَب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب. وقال مجاهد: في قوله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ هي كقوله: ﱡﭐ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﱠ [المائدة: 2] وهذا اختيار ابن جرير.
﴿ وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ ﴾ قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس، و﴿ الْفَقِيرَ ﴾ الـمُتَعَفِّف. وقال مجاهد: هو الذي لا يَبسُطُ يده. وقال قتادة: هو الزَّمِن. وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.
وقوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: هو وَضْعُ الإحرام من حَلْق الرأس ولُبْس الثياب وقَصِّ الأظفار ونحو ذلك. وقال عكرمة عن ابن عباس: التَّفَث: المناسك. ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يعني: نَحْر ما نَذَرَ من أمر البُدن. وقال مجاهد: نَذْر الحج والهدي وما نَذَر الإنسان من شيء يكون في الحج. وقال عكرمة: حَجَّهم. ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا ﴾ قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر. قلتُ: وهكذا صَنَع رسول الله ﷺ. وعن ابن عباس قال: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض [متفق عليه]. ﴿ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ قال خَصِيف: إنما سُمِّي البيت العتيق لأنه لم يَظهَر عليه جبَّار قطُّ. وقال مجاهد: أُعْتِقَ من الجبابرة أن يُسَلَّطُوا عليه.
الآية (30): ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: ومن يَجتَنِب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه، ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ أي: فَلَه على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكَما على فِعْل الطاعات ثواب كثير وأجر كبير، كذلك على تَرْك المحرمات واجتناب المحظورات. قال مجاهد: ﴿ حُرُمَاتِ اللَّهِ ﴾: مكة والحج والعمرة، وما نَهى الله عنه من معاصيه كلها. وكذا قال ابن زيد. ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ ﴾ أي: أحللنا لكم جميع الأنعام ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: من تحريم: ﴿ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ الآية [المائدة:3]، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.
وقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وقَرَن الشرك بالله بقول الزُّور، ومنه شهادة الزُّور.