حجم الخط:

الآيات (24-30)

الآية (24-25): يقول تعالى مُخْبِرًا عن قوم إبراهيم في كُفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودَفْعِهم الحقَّ بالباطل: أنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه الـمُشْتَمِلَة على الهدى والبيان ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ؛ وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتَوَجَّهَت عليهم الحجة، فعَدَلُوا إلى استعمال جاههم وقُوَّةِ مُلْكِهِم، ﴿ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ [الصافات:97-98]، وذلك أنهم حَشَدوا في جَمْعِ أَحطَاب عظيمة مدَّةً طويلة، وحَوَّطوا حَولَـها، ثُمَّ أَضْرَمُوا فيها النار، فارتفع لها لَـهَبٌ إلى عَنَان السماء، ولم تُوقَدْ نار قَطُّ أَعْظَم منها، ثُمَّ عَمَدُوا إلى إبراهيم فكَتَّفُوهُ وأَلْقَوه في كِفَّةِ الـمَنْجَنِيق، ثُمَّ قَذَفُوا به فيها ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي: سَلَّمَه منها، بأن جَعَلَها عليه بَرْدًا وسَلامًا.

﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يقول لقومه مُقَرِّعًا لهم ومُوَبِّخًا على سُوْء صَنِيعهم، في عبادتهم الأوثان: إنما اتَّخَذْتم هذه لتَجْتَمِعُوا على عبادتها في الدنيا، صداقةً وأُلْفَةً منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا.

وهذا على قراءة من نَصَبَ ﴿ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتِّخَاذكم هذا يُحَصِّل لكم الـمَوَدَّة في الدنيا فقط، ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ينْعَكِس هذا الحال، فتَبْقَى هذه الصَّدَاقَة والـمَوَدَّة بَغْضَة وشَنَآنًا، فـ ﴿ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ أي: تَتَجَاحَدُون ما كان بينكم، ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي: يَلْعَنُ الأتباعُ الـمَتْبُوعِين، والـمَتْبُوعُون الأتباعَ، ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38]، وقال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]. وقوله: ﴿ وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي: ومصيركم ومَرْجِعُكُم بعد عَرَصَات القيامة إلى النار، وما لكم من ناصر يَنْصُرْكُم، ولا مُنْقِذٍ يُنْقِذُكم من عذاب الله. وهذا حال الكافرين، فأمَّا المؤمنون فبخلاف ذلك.

الآية (26-27): يقول تعالى مُخْبِرًا عن إبراهيم: أنه آمَنَ له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يعني: ولم يُؤْمِن به من قومه سواه، وسارة امرأةُ الخليل. لكن يُقَال: كيف الـجَمْع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح أن إبراهيم حين مَرّ على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له: «إنك أختي، فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيرك وغيري، فأنت أختي في الدين» [رواه مسلم].

وكأن المراد من هذا -والله أعلم- أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطًا عليه السلام آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام. وقوله: ﴿ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي يُحْتَمَل عود الضمير في قوله: ﴿ وَقَالَ على لوط؛ لأنه أقرب المذكورين، ويُحْتَمَل عوده إلى إبراهيم. قال ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ أي: من قومه.

ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجَرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكُّن من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، ﴿ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ : لَـمَّا فارق قومَه أقرَّ الله عَيْنَه بوجود وَلَدٍ صالح نبي ووُلِدَ له ولد صالح في حياة جده. وكون يعقوب وُلِدَ لإسحاق نَصَّ عليه القرآن، وثَبَتَت به السنة النبوية؛ قال الله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [البقرة:133]، وفي الصحيحين: «إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابن الكريم: يوسفُ بن يعقوبَ ابن إسحاقَ بن إبراهيم».

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ هذه خَلْعَة سَنِيَّة عظيمة، مع اتخاذ الله إيَّاه خليلًا، وجَعْلِه للناس إمامًا، أن جَعَلَ في ذُرِّيَّته النبوة والكتاب، فلم يُوجَد نبي بعد إبراهيم عليه السلام إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سُلالة يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مُبَشِّرًا بالنبي العربي القرشي الهاشمي، خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد وَلَد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العَرْباء، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-: ولم يُوجَد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي: جَمَعَ الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الـهَنيّ، والـمَنْزِل الرَّحْب، والـمَوْرِد العَذْب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذِّكر الـحَسَن، فكلُّ أحد يُحِبُّه ويَتَوَلَّاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ [النجم:37]، أي: قام بجميع ما أُمِرَ به، وكَمَّلَ طاعة ربه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ .

الآية (28-30): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط عليه السلام أنه أنكر على قومه سُوْء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال، في إتيانهم الذُّكْران من العالمين، ولم يَسبِقْهم إلى هذه الفِعْلَة أحد من بني آدم قبلهم وكانوا مع هذا يكفرون بالله، ويكذِّبون رسوله، ويُخَالِفون ويَقْطَعون السبيل، أي: يقفون في طريق الناس يَقتُلُونهم ويأخذون أموالهم. ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ أي: يَفْعَلون ما لا يَلِيقُ من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا يُنْكِر بعضهم على بعض شيئًا من ذلك، فمن قائل: كانوا يأتون بعضهم بعضًا في الملأ، قاله مجاهد. ومن قائل: كانوا يَتَضَارَطُون ويتضاحكون، قالته عائشة والقاسم. ومن قائل: كانوا يُنَاطِحُون بين الكباش، ويُنَاقِرون بين الديوك. وكلُّ ذلك كان يَصدُر عنهم، وكانوا شرًّا من ذلك. ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم؛ ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: ﴿ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ .