الآية (24-26): ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ هذا نُكُول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء. وما أحسن ما أجاب به الصحابة ╚ يوم بدر رسول الله ﷺ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان؛ فعن أنس أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله ﷺ. قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾، والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْك الغِمَاد لاتّبعناك [رواه الإمام أحمد والنسائي، وصححه الألباني]. ولما نكل بنو إسرائيل عن القتال غَضِبَ عليهم موسى عليه السلام، وقال داعيًا عليهم: ﴿ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ﴾ أي: ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أَمر الله، ويُجيب إلى ما دعوتُ إليه إلا أنا وأخي هارون، ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم. وعنه أيضًا: افصل بيننا وبينهم.
قوله: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية، لما دعا عليهم موسى عليه السلام، حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة، فوقعوا في التِّيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه. ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ تسليةً لموسى عليه السلام عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به؛ فإنهم يستحقون ذلك. وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أنّ بين أظهرهم رسول الله وكليمه وصفيّهُ من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة:18]!! فقبح الله وجوههم التي مَسَخَ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنةً تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.
الآية (27-31): يقول تعالى مُبَيِّنًا وَخِيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خَبَر ابْنَي آدمَ لِصُلْبِه كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيًا عليه وحسدًا له فيما وَهَبَه الله من النعمة، وتَقَبَّل القربان الذي أَخلَص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة، من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: على الجليّة والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وَهْم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ [آل عمران:62]. ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾. السياق يقتضي أنه إنما غَضِب عليه وحسده لقبول قربانه دونه. يقول له أخوه الرجل الصالح، الذي تَقبَّل الله قربانه لتقواه حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾ أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب. ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ قال ابن عباس وغيره: أي: بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك. قلت: وهذا الكلام متضمن موعظةً له لو اتَّعظ، وزجرًا له لو انزجر. ﴿ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: خوَّفه النار فلم يَنتَهِ ولم ينزجر. ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾ حَسَّنَتْ وسَوَّلَتْ له نفسه وشَجَّعَتْه على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر. ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأيُّ خسارة أعظم من هذه؟! وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُقتَل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه كان أول من سنَّ القتل» [متفق عليه]. ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ ﴾ قال ابن عباس: جاء غراب إلى غراب ميت، فَبَحَث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾. وقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران.