الآية (246): ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ ﴾ كان ذلك في زمان داود عليه السلام، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة.
[وقد أوحى الله إلى ذلك النبي من بني إسرائيل] وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم مَلِكًا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الـمُلْك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم مَلكًا ألا تَفُوا بما التزمتم من القتال معه؟! ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ ﴾ أي: وقد أُخِذَتْ منا البلاد، وسُبِيَت الأولاد؟
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا، بل نَكَلَ عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم.
الآية (247): أي: لما طلبوا مِن نبيّهم أن يُعَيِّن لهم ملكًا منهم، فعيَّن لهم طالوت، وكان رجلًا من أجنادهم، ولم يكن من بيت الـمُلْك؛ لأن الـمُلْك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط.
فلهذا ﴿ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ أي: كيف يكون ملكًا علينا ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ ﴾؟ أي: ثم هو مع هذا فقير، لا مال له يقوم بالـمُلْك.
وهذا اعتراض منهم على نبيّهم وتعنُّت، وكان الأَولى بهم طاعةٌ وقولٌ معروف. ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: اختاره لكم مِن بينكم، والله أعلم به منكم؛ يقول: لستُ أنا الذي عيَّنته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك.
﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ ﴾ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبَلُ وَأَشْكَلُ منكم، وأشدُّ قوةً وصبرًا في الحرب ومعرفةً بها، أي: أتمَّ علمًا وقامةً منكم. ومن ههنا ينبغي أن يكون الْـمَلِك ذا علم وشَكْل حَسَن وقوة شديدة في بدنه ونفسه.
ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ ﴾ أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.
الآية (248): يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة مُلك طالوت عليكم أن يردَّ الله عليكم التابوت الذي كان أُخذ منكم.
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.
وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال: ما تعرفون من آيات الله، فتسكنون إليه. وكذا قال الحسن البصري.
وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ ﴾ روى ابن جرير: عن ابن عباس في هذه الآية قال: عَصَاهُ وَرُضَاضُ الألواح. وكذا قال قتادة وغيره.
وقوله: ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ ﴾ قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.