الآية (249): يقول تعالى مُخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل؛ أنه قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني: نهر الشريعة المشهور ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ ﴾ أي: فلا بأس عليه.
قال الله تعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ ﴾ قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَوِي، ومن شرب منه لم يَرْوَ.
وقد روى ابن جرير عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.
ورواه البخاري عن البراء، بنحوه.
ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ ﴾ أي: استقلُّوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ.
ولهذا قالوا: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
الآية (250): أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل- من أصحاب طالوت، لعدوّهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير-﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ أي: أنزل علينا صبرًا من عندك ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنِّبنا الفرار والعجز ﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.
الآية (251): قال الله تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ أي: النبوة ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين - كما دفع عن بني إسرائيل بمُقاتلة طالوت وشجاعة داود – لهلكوا، كما قال: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ ﴾ الآية [الحج:40].
وقوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ أي: مَنٌّ عليهم ورحمةٌ بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة، والحجة على خلقه في جميع أفعاله، وأقواله.
الآية (252): ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل. ﴿ وَإِنَّكَ ﴾ يا محمد ﴿ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقَسَم.