حجم الخط:

الآيات (249-252)

الآية (249): يقول تعالى مُخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل؛ أنه قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين، يعني: نهر الشريعة المشهور ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ أي: فلا بأس عليه.

قال الله تعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَوِي، ومن شرب منه لم يَرْوَ.

وقد روى ابن جرير عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.

ورواه البخاري عن البراء، بنحوه.

ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ أي: استقلُّوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ.

ولهذا قالوا: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .

الآية (250): أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل- من أصحاب طالوت، لعدوّهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير-﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا أي: أنزل علينا صبرًا من عندك ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا أي: في لقاء الأعداء، وجنِّبنا الفرار والعجز ﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .

الآية (251): قال الله تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ الذي كان بيد طالوت ﴿ وَالْحِكْمَةَ أي: النبوة ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين - كما دفع عن بني إسرائيل بمُقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا، كما قال: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ الآية [الحج:40].

وقوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ أي: مَنٌّ عليهم ورحمةٌ بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة، والحجة على خلقه في جميع أفعاله، وأقواله.

الآية (252): ثم قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل. ﴿ وَإِنَّكَ يا محمد ﴿ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وهذا توكيد وتوطئة للقَسَم.