الآية (25): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ كقوله: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [الحج:65]، وكان عمر بن الخطاب إذا اجتهد في اليمين يقول: «لا، والذي تقوم السماء والأرض بأمره» أي: هي قائمة بأمره وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بُدّلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:52].
الآية (26-27): قوله: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: ملكه وعبيده، ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا. قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: يعني أيسر عليه. وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيِّن. وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. عن ابن عباس: كلٌ عليه هين. ومال إليه ابن جرير، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ إلى الخلق، أي: وهو أهون على الخلق. قوله: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى:11]. وقال قتادة: مَثَله أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ الذي لا يُغالَب ولا يُمانَع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أفعاله وأقواله، شرعًا وقَدَرًا.
الآية (28): هذا مثَلٌ ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، مُلْكٌ له، فقال: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم: ﴿ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ أي: لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مِجْلَز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له. والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه. وهذا كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ [النحل:62] أي: من البنات، فهم يأنفون من البنات وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر. وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك؛ أن يكون عبدُه شريكه في ماله، يساويه فيه، ولو شاء لقاسمه عليه.
ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾.
الآية (29): ثم قال تعالى مبينًا أن المشركين إنما عبدوا غيره سَفَهًا من أنفسهم وجهلًا: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أي: المشركون ﴿ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم، ﴿ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ﴾ أي: فلا أحد يهديهم إذا كَتَب الله إضلالهم، ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ أي: ليس لهم من قدرة الله مُنقذ ولا مُجير، ولا مَحيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
الآية (30): يقول تعالى: فسدّد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكمَّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره. وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» [رواه مسلم]. قوله تعالى: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطلب؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران:97]، وهذا معنى حسن صحيح. وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبِلَّة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك؛ ولهذا قال ابن عباس: قوله: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ أي: لدين الله. قال البخاري: قوله: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لدين الله، خَلْقُ الأولين: دينُ الأولين، والدين والفطرة: الإسلام. قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يُهوّدانِهِ أو يُنَصّرانِهِ أو يُمَجّسانِهِ، كما تنتج البهيمة بهيمة جَمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟!» ثم يقول: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [متفق عليه]. قوله: ﴿ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ أي: التمسُّك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف:103].
الآية (31-32): قوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ قال ابن زيد وابن جريج: أي راجعين إليه، ﴿ وَاتَّقُوهُ ﴾ أي: خافوه وراقبوه. ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ وهي الطاعة العظيمة. ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه. وقوله: ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم؛ أي: بدّلوه وغيّروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقرأ بعضهم: «فارقوا دينهم»؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام:159]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومِلَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء.