الآية (25-26): ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ﴾ قيل: غُدوةً وعَشيًّا. وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين. وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة. والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة، لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يُرفع له عمل صالح آناءَ الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين. ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ أي: كاملًا حسنًا كثيرًا طيبًا، ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾.
وقوله: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾ هذا مَثَلُ كُفْرِ الكافر؛ لا أصلَ له ولا ثبات، وَشُبِّهَ بشجرة الـحَنْظَل، ﴿ اجْتُثَّتْ ﴾ أي: استؤصلت ﴿ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يُتَقَبَّل منه شيء.
الآية (27): عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾» [متفق عليه]. وعن طاووس: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾: المسألة في القبر. وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ في القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف.
الآية (28-30): قال البخاري: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾: ألم تعلم؟! كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا ﴾ [البقرة:243]، البَوَار: الهلاك، بَارَ يَبُورُ بَورًا، و﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفرقان:18، الفتح:12]: هالكين. عن ابن عباس قال: هم كفار مكة، وقال العوفي عن ابن عباس: هو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، والمشهور الصحيح عن ابن عباس القول الأول، وإن كان المعنى يَعُمُّ جميع الكفار؛ فإن الله تعالى بَعَثَ محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، ونعمةً للناس، فمن قَبِلَها وقام بشكرها دَخَلَ الجنة، ومن ردَّها وكَفَرَها دَخَل النار.
وقوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه، ودَعَوُا الناس إلى ذلك. ثم قال تعالى مهدِّدًا لهم ومتوعِّدًا لهم على لسان نبيه ﷺ: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ أي: مرجعكم وموئلكم إليها؛ كما قال تعالى: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان:24]، وقال تعالى: ﴿ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس:70].
الآية (31): يقول تعالى آمرًا العباد بطاعته والقيام بحقِّه، والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا ممَّا رَزَقهم الله بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات، والإحسان إلى الأجانب. والمراد بإقامتها هو: المحافظة على وقتها وحدودها، وركوعها وخشوعها وسجودها.
وأمر تعالى بالإنفاق ممَّا رَزَق في السرِّ، أي: في الخفية، والعلانية وهي: الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخَلاص أنفسهم ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ وهو يوم القيامة، وهو يوم ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾ أي: لا يقبل من أحد فِدْيةٌ بأن تُبَاع نفسه، كما قال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الحديد:15].
وقوله: ﴿ وَلَا خِلَالٌ ﴾ قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مُخَالَّة خليل، فَيَصْفَح عمن اسْتَوْجَب العقوبة، عن العقاب لمُخَالَّته، بل هنالك العدل والقسط. قلتُ: والمراد من هذا أنه يُخبر تعالى أنه لا ينفع أحدًا بيعٌ ولا فديةٌ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وَجَدَه، ولا ينفعه صداقةُ أحد ولا شفاعةُ أحد إذا لقيَ الله كافرًا، قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة:123]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254].
الآية (32-33): يُعَدِّد تعالى نِعَمَه على خلقه، بأن خَلَق لهم السموات سقفًا محفوظًا، والأرض فراشًا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجًا من نبات شتَّى، ما بين ثمار وزروع، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسَخَّر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وَسَخَّر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر، لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسَخَّر الأنهار تَشُقُّ الأرض من قُطْر إلى قُطْر، رزقًا للعباد من شُرْب وسَقْيٍ وغير ذلك من أنواع المنافع.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ﴾ أي: يسيران لا يفتران ليلًا ولا نهارًا، ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس:40]، ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف:54]، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارةً يأخذ هذا من هذا فيَطُول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيَقصُر، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان:29]، وقوله: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزمر:5].