حجم الخط:

الآيات (26-33)

الآية (26-27): ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ هذا عَزْمٌ من فرعون على قتل موسى عليه السلام، أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا ﴿ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد. ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ يخشى فرعونُ أن يُضِلَّ موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: «صار فرعون مُذَكِّرًا»، يعني: واعظًا، يشفق على الناس من موسى عليه السلام. ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ أي: لما بلغه قول فرعون: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ قال موسى: استجرتُ بالله وعُذْتُ به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: ﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أيها المخاطبون ﴿ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ أي: عن الحق، مجرم ﴿ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ؛ ولهذا جاء أن رسول الله كان إذا خاف قومًا قال: «اللهم، إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

الآية (28-29): المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبْطيًّا من آل فرعون. واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: ﴿ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]. وقد كان هذا الرجلُ يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ [غافر:26]، فأخذت الرجل غضبة لله، و«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ، اللهم إلا ما رواه عبد الله بن عمرو قال: بينا رسول الله يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عُقْبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمَنْكب رسول الله ولَوَى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودَفَعه عن النبي ، ثم قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [رواه البخاري].

﴿ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ربي الله، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟! ثم تَنَزّل معهم في المخاطبة فقال: ﴿ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذبًا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يك صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم؛ فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقًا، فينبغي على هذا ألا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبًا كما تزعمون، لكان أمره بيّنًا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله؛ كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدًا ومنهجه مستقيمًا، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله. ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، واحذروا نقمة الله إن كذّبتم رسوله. ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئًا من بأس الله إن أرادنا بسوء. ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ لقومه، رادًّا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون؛ فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاء به من الرسالة [كما قال له موسى:] ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102]. فقوله: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ كذَب فيه وافترى، وخان الله ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم. وكذا قوله: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضًا في ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:97] وفي الحديث: «ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» [متفق عليه].

الآية (30-31): هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح، مؤمن آل فرعون، أنه حذّر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر؛ كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حلَّ بهم بأس الله، وما رده عنهم رادّ، ولا صده عنهم صادّ، ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ أي: إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. فأنفذ فيهم قدره.

الآية (32-33): ﴿ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يعني: يوم القيامة؛ وسُمّي بذلك، قال بعضهم: لِـمَـا جاء في حديث الصور: إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قُطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضًا. وقال الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هِرَابًا، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله: ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا [الحاقة:17]. وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم: ينادي أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار. وقيل: سُمّي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار: ﴿ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ [الأعراف:44]، ومناداة أهل النار أهل الجنة: ﴿ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50]، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار. واختار البغوي أنه سمي بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد. ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين هاربين، ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿١١ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:11-12]، ولهذا قال: ﴿ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ أي: ما لكم مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ أي: من أضله الله فلا هادي له غيره.