حجم الخط:

الآيات (26-38)

الآية (26): ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا أي: طيبي نفسًا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقوله: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا أي: مهما رأيت من أحد ﴿ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا . قال أنس بن مالك في قوله: ﴿ صَوْمًا أي: صمتًا. وكذا قال ابن عباس، والضحاك.

الآية (27): يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أُمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدًا من البشر؛ فإنها سَتُكْفَى أمرها ويُقام بحُجَّتِها، فسلَّمت لأمر الله عز وجل واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدًا، و﴿ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا أي: أمرًا عظيمًا.

الآية (28): ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ أي: يا شبيهة هارون في العبادة، ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! [و] عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله إلى نجران، فقالوا: أرأيتَ ما تقرؤون: ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟! قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يَتَسَمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم!» [رواه مسلم].

الآية (29-33): قوله: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي: أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا مُعرِّضين بقَذْفِها ورميها بالفرْية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا مُتهكّمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره. قوله: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ أول شيء تكلم به أن نزَّه جَنَاب ربه تعالى، وبرَّأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. قوله: ﴿ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا تبرئةً لأمّه مما نُسبت إليه من الفاحشة. وقال عكرمة: أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى. قوله: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ قال مجاهد: وجعلني معلمًا للخير. قوله: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا كقوله تعالى لمحمد : ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]. وعن مالك بن أنس في قوله: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر.

قوله: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يَقْرِنُ بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين. قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قوله: ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا إثبات منه لعبوديته لله عز وجل ، وأنه مخلوق من خلق الله، يُحيا ويُماتُ ويُبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشقُّ ما يكون على العباد.

الآية (34): يقول تعالى لرسوله محمد : ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى ﴿ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به.

الآية (35-36): لما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيًّا، نزَّه نفسه المقدسة فقال: ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا، ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الآية [آل عمران:59]. ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي: ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه، وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رَشَدَ وهدي، ومن خالفه ضَلَّ وغوى.

الآية (37): قوله: ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه؛ فصَمَّمَت طائفة -وهم جمهور اليهود- على أنه ولد زِنْيَة، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: هو ابن الله. وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين. قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدًا. ولكن أَنْظَرَهم تعالى إلى يوم القيامة وأجَّلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله أنه قال: «لا أحدَ أصبرُ على أذًى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم». وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: يوم القيامة.

الآية (38): يقول تعالى مخبرًا عن الكفار يوم القيامة أنهم يكونون أسمعَ شيء وأبصرَه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا الآية [السجدة:12] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يُجْدِي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل مُعاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومُنقذًا من عذاب الله؛ ولهذا قال: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي: ما أسمَعَهُم وأبصَرَهُم ﴿ يَوْمَ يَأْتُونَنَا يعني: يوم القيامة ﴿ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ أي: في الدنيا ﴿ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون؛ فحيث يُطْلَبُ منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.