حجم الخط:

الآيات (27-31)

الآية (27): ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ : قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقَدِموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعِرَّانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خَيَّرهم بين سبيهم وبين الأموال، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فردَّه عليهم، وقَسَمَ أموالهم بين الغانمين، ونَفَّلَ أناسًا من الطلقاء ليتألَّف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائةً مائةً من الإبل، وكان من جملة من أعطي مائةً: مالك بن عوف النَّضْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:

مَا إنْ رَأيتُ ولا سَمِعْتُ بمثْلِه *** في النَّاس كُلّهمُ بمثل مُحَمَّدِ

الآية (28-29): أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين -الذين هم نَجَس دينًا- عن المسجد الحرام، وألَّا يقربوه بعد نزول هذه الآية. وكان نزولها في سنة تسع؛ ولهذا بَعَثَ رسول الله عليًا صُحبة أبي بكر رضي الله عنهما عامَئذٍ، وأمره أن ينادي في المشركين: «ألَّا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». فأتمَّ الله ذلك، وحَكَم به شرعًا وقدرًا. وقال عطاء: الحرم كله مسجد، لقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا . ودلَّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما وَرَد في الصحيح: «المؤمن لا ينجس» [متفق عليه].

وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحلَّ طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.

وقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [سبب النزول]: قال ابن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لَتَنْقَطِعَنَّ عنَّا الأسواق، ولَتَهْلِكَنَّ التجارة، وليَذْهَبَنَّ ما كنا نُصِيب فيها من الـمَرَافِق، فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من وجهٍ غير ذلك ﴿ إِنْ شَاءَ إلى قوله: ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ أي: هذا عِوَض ما تخوَّفتم من قَطْع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله ممَّا قَطَعَ عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية. وهكذا رُوي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ أي: بما يصلحكم ﴿ حَكِيمٌ أي: فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تبارك وتعالى؛ ولهذا عوَّضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، فقال: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، فهم في نفس الأمر لَـمَّا كفروا بمحمد لم يبقَ لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاءوا به، وإنما يتَّبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ؛ لأن جميع الأنبياء بشَّروا به، وأَمَروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به، وهو أشرف الرسل، عُلِم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيِّدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي: إن لم يُسْلِمُوا، ﴿ عَنْ يَدٍ أي: عن قهرٍ لهم وغَلبة، ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ أي: ذليلون حقيرون مُهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رَفعهم على المسلمين، بل هم أذلّاء صَغَرة أشقياء، عن أبي هريرة أن النبي قال: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» [رواه مسلم]. ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم.

الآية (30-31): وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة، والفِرْية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العُزَير: «إنه ابن الله»، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وأما ضَلال النصارى في المسيح فظاهر؛ ولهذا كذَّب الله سبحانه الطائفتين فقال: ﴿ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ أي: لا مُستند لهم فيما ادَّعوه سوى افترائهم واختلاقهم، ﴿ يُضَاهِئُونَ أي: يشابهون ﴿ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضلَّ هؤلاء، ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ قال ابن عباس: لعنهم الله، ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ؟ أي: كيف يَضِلُّون عن الحق وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟!

وقوله: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عن عدي بن حاتم قال: قرأ رسول الله هذه الآية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: «بلى! إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلُّوا لهم الحرام فاتَّبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» [رواه الترمذي وحسَّنه الألباني]. وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ : إنهم اتَّبَعُوهُم فيما حلَّلُوا وحَرَّموا. ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا أي: الذي إذا حَرَّمَ الشيء فهو الحرام، وما حلَّلَه حلَّ، وما شَرَعَه اتُّبِع، وما حَكَمَ به نَفَذَ. ﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تعالى وتقدَّس وتنزَّه عن الشركاء والنُّظَراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.