حجم الخط:

الآيات (27-34)

الآية (27): ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ أي: يُظهر فضائحهم، وما كانت تُجنّه ضمائرهم، فيجعله علانية؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] أي: تَظْهَرُ وَتَشْتَهِر. عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «يُنْصَبُ لكلِّ غادر لواءٌ يوم القيامة عند اسْتِهِ بقَدْر غَدْرَته، فيُقال: هذه غَدْرَة فلان بن فلان» [متفق عليه].

وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يُسِرُّونَه من المكر، وَيُخْزِيهِمُ الله على رؤوس الخلائق، ويقول لهم الربُّ تبارك وتعالى مُقرِّعًا لهم ومُوبِّخًا: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ؟ تُحَارِبُون وَتُعَادُون في سبيلهم، أين هم عن نَصرِكم وخلاصكم ههنا؟! ﴿ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:93]، ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق:10]. فإذا تَوَجَّهَتْ عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحَقَّت عليهم الكلمة، وأُسْكِتُوا عن الاعتذار حين لا فِرَار ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم السَّادَة في الدنيا والآخرة، والـمُخْبِرُون عن الحقِّ في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذٍ: ﴿ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ أي: الفضيحة والعذاب اليوم بمن كَفَر بالله، وأَشرَك به ما لا يضرُّه ولا ينفعه.

الآية (28-29): يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم: ﴿ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي: أَظهَروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ كما يقولون يوم المعاد: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]، ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة:18].

قال الله مُكَذِّبًا لهم في قِيلِهم ذلك: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي: بئس الـمَقِيلُ والـمَقَامُ والمكان من دار هوان، لمن كان مُتَكبِّرًا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مَمَاتهم بأرواحهم، ويأتي أجسادَهم في قبورها من حَرِّها وسَمومِها، فإذا كان يوم القيامة سَلَكَتْ أرواحهم في أجسادهم، وَخَلَدَتْ في نار جهنم، ﴿ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36]، كما قال الله تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

الآية (30-32): هذا خَبَرٌ عن السعداء، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ [النحل:24] فقالوا معرضين عن الجواب: لم يُنزِل شيئًا، إنما هذا أساطير الأولين.

وهؤلاء ﴿ قَالُوا خَيْرًا أي: أَنْزَلَ خَيْرًا، أي: رحمةً وبركةً وحسنًا لمن اتَّبَعه وآمن به.

ثم أَخْبَرُوا عمَّا وَعَدَ الله عباده فيما أَنزَلَه على رسله، فقالوا: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، أي: مَن أَحسَنَ عملَه في الدنيا أحسنَ الله إليه في الدنيا والآخرة.

ثم أخبروا بأن دار الآخرة خيرٌ، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتمُّ من الجزاء في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ [القصص:80]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [آل عمران:198]، وقال تعالى: ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ [الأعلى:17]، وقال لرسوله : ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ [الضحى:4]. ثم وَصَفُوا الدار الآخرة فقالوا: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ .

وقوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ بَدَلٌ مِن ﴿ دَارُ الْمُتَّقِينَ أي: لهم في الآخرة ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي: إقامة ﴿ يَدْخُلُونَهَا .

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: بين أشجارها وقصورها ﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71].

﴿ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ أي: كذلك يجزي الله كلَّ من آمن به واتَّقاه وأحسنَ عملَه. ثم أَخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مُخَلَّصُون من الشرك والدَّنَس وكل سوء، وأن الملائكة تُسَلِّم عليهم وتُبَشِّرهم بالجنة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

الآية (33-34): يقول تعالى مُتَهَدِّدًا للمشركين على تَمَادِيهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم بقبض أرواحهم، ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال.

وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلُّوا فيما هم فيه من العذاب والنكال.

﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ؛ لأنه تعالى أَعْذَر إليهم، وأقام حُجَجَه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه، ﴿ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك. ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ أي: أحاط بهم من العذاب الأليم ﴿ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أي: يَسْخَرون من الرسل إذا تَوَعَّدُوهم بعقاب الله؛ فلهذا يُقال يوم القيامة: ﴿ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14].