حجم الخط:

الآيات (27-42)

الآية (27-29): يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم يوم الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط. ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدّة لهم. ثم بيّن تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء؛ فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعيَّن أن هناك دارًا أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ أي: ذوو العقول، وهي الألباب. قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلق ولا عمل.

الآية (30-33): يقول تعالى مخبرًا أنه وهب لداود سليمان، أي: نبيًّا، كما قال عز وجل: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل:16] أي: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره. قوله: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ثناء على سليمان عليه السلام بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل. ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ أي: إذ عُرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات. قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرفِ حافرِ الرابعة. والجياد: السراع. ﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ذكر غير واحد من المفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يُقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا، كما شُغل النبي يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب. ويحتمل أنه كان سائغًا في ملّتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال. ﴿ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ قال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليكِ. ثم أَمر بها فعُقرت. وقال السُّدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف. وقال ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل، وعراقيبها حُبًّا لها. وهذا القول اختاره ابن جرير، قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة[1]، ويهلك مالًا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبًا لله عز وجل بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوَّضه الله تعالى ما هو خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رُخاء حيث أصاب، غدوُّها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل.

الآية (34-40): ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة ﴿ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم: يعني شيطانًا ﴿ ثُمَّ أَنَابَ أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبَّهته. ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ قال بعضهم: معناه: لا يصلح لأحد أن يسلبني بعدي، كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه. والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة -أو كلمة نحوها-ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قال روح: فرده خاسئا» [متفق عليه]. ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ قال الحسن البصري: لما عقر سليمان الخيل غضبًا لله عز وجل عوضه الله ما هو خير منها وأسرع، الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر. ﴿ حَيْثُ أَصَابَ أي: حيث أراد من البلاد. ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ أي: منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة ﴿ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ أي: موثَّقون في الأغلال والأكبال، ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى. ﴿ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت فهو جائز لك، احكم بما شئت فهو صواب. ولما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبَّه على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضًا، فقال: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ أي: في الدار الآخرة.

الآية (41-42): يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب عليه السلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه، غير أن زوجته حفظت ودّه لإيمانها بالله ورسوله. فلما طال المطال، وتم الأجل المقدر، تضرع إلى رب العالمين: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، وفي هذه الآية قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ قيل: بنصبٍ في بدني وعذاب في مالي وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله. ففعل فأنبع الله عينًا وأمره أن يغتسل منها، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى. ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عينًا أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا؛ ولهذا قال: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ .