حجم الخط:

الآيات (27-44)

الآية (27-30): يقول تعالى منكرًا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى كما قال: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: 19] ولهذا قال: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي: ليس لهم علم صحيح يُصَدِّقُ ما قالوه، بل هو كَذِبٌ وزورٌ وافتراء، وكُفْر شنيع، ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا أي: لا يُجدي شيئًا، ولا يقوم أبدًا مقام الحق. ورسول الله قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» [متفق عليه].

﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا أي: أَعْرِضْ عن الذي أعرَضَ عن الحقِّ وَهَجَرَه، ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أكثر هَمِّه ومَبْلَغ عِلْمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه. ﴿ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنَا، ولا مَبْلَغَ علمنا» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويُضِلُّ من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدًا.

الآية (31-32): يُخْبِرُ تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الغني عمَّا سواه، الحاكم في خَلقِه بالعَدْل، وخَلَق الـخَلْق بالحقِّ، ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى أي: يُجَازِي كلًّا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ثم فَسَّر المحسنين بأنهم ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ، أي: لا يَتَعَاطون المحرَّمات والكبائر، وإن وَقَع منهم بعض الصغائر فإنه يَغْفِرُ لهم ويَستُر عليهم، كما قال: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].

﴿ إِلَّا اللَّمَمَ هذا استثناء منقطع؛ لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقِّرَات الأعمال. عن ابن مسعود قال: زِنا العينين النَّظَر، وزِنا الشفتين التقبيل، وزِنا اليدين البَطْش، وزِنا الرجلين المشي، ويُصدِّق ذلك الفَرْج أو يُكَذِّبه، فإن تَقَدَّمَ بفَرجِه كان زانيًا، وإلا فهو اللَّمَم. وكذا قال مسروق والشعبي. وقال أبو هريرة: ﴿ اللَّمَمَ : القُبلة والغَمْزة والنظرة والمباشرة، فإذا مَسَّ الختانُ الختانَ فهو الزنا. وقال ابن عباس: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ : إلا ما سَلَف. وكذا قال زيد بن أسلم. وقال مجاهد: الذي يُلِمُّ بالذنب ثم يَدَعه. وعن ابن عباس: هو الرجل يُلِمُّ بالفاحشة ثم يتوب. وعن الحسن قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود. وقال ابن عباس: كل شيء بين الـحَدَّيْن: حَدِّ الدنيا وحد الآخرة، تُكَفِّرُه الصلوات، وهو اللمم، وهو دون كلِّ مُوجِب، فأما حَدُّ الدنيا فكل حَدٍّ فَرَض الله عقوبته في الدنيا، وأما حَدُّ الآخرة فكلُّ شيء خَتَمَه الله بالنار، وأَخَّر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك. ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ رحمته وَسِعَت كل شيء، ومغفرته تَسَع الذنوب كلها لمن تاب منها. ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تَصْدُر عنكم وتَقَع منكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، ﴿ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ قد كَتَبَ الملَك الذي يُوَكَّل به رِزْقَه وأَجَلَه وعَمَله، وشَقي أم سعيد. وقوله: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ أي: تمدحوها وتشكروها وتَـمُنُّوا بأعمالكم ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ . و روى مسلم عن زينب بنت أبي سلمة: قال رسول الله : «لا تُزَكُّوا أنفسكم؛ إن الله أعلم بأهل البِرِّ منكم». وعن أبي بكْرَة قال: قال : «إذا كان أحدكم مادحًا صاحِبَه لا محالةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ فلانًا والله حَسِيبُه، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا» [متفق عليه].

الآية (33-41): يقول[1] تعالى ذامًّا لمن تولى عن طاعة الله ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١ وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [القيامة:32،31] ﴿ وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ قال ابن عباس: [أعطى][2] قليلًا ثم قَطَعَه. وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فَيَجِدُون في أثناء الحَفْر صخرةً تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: «أَكْدَيْنا»، ويتركون العمل. وقوله: ﴿ أَعِنْدَهُ أي: أعند هذا الذي قد أَمْسَكَ يدَه خشيةَ الإنفاق، وقَطَعَ معروفه ﴿ عِلْمُ الْغَيْبِ أنه سينفَدُ ما في يده، حتى قد أَمْسَك عن معروفه ﴿ فَهُوَ يَرَىٰ ذلك عِيَانًا؟! ليس الأمر كذلك، وإنما أَمْسَكَ عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بُخلًا وشُحًّا وهَلَعًا. وقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ قال سعيد بن جبير والثوري: أي بَلَّغ جميع ما أُمِرَ به. وقال ابن عباس: ﴿ وَفَّىٰ لله بالبلاغ. وقال قتادة: ﴿ وَفَّىٰ طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله. فقام عليه السلام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلَّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحقَّ بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتَدى به.

ثم شَرَع تعالى يُبَيِّن ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ أي: كلُّ نَفْس ظَلَمَت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنَّما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ أي: كما لا يُحْمَل عليه وِزْرُ غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كَسَبَ هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ومن اتَّبَعَه أن القراءة لا يَصِلُ إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يَنْدُبْ إليه رسول الله أُمَّتَه ولا حَثَّهُمْ عليه، ولا أَرْشَدَهم إليه بنصٍّ ولا إيماء، ولم يُنْقَل ذلك عن أحد من الصحابة، وباب القُرُبَات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتَصَرَّفُ فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مُجْمَع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما. وأما ما روي عن أبي هريرة [مرفوعًا]: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث..» الحديث [رواه مسلم]؛ فهذه في الحقيقة هي من سعيه وعمله. ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ أي: يوم القيامة، ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ أي: الْأَوْفَرَ.

الآية (42-44): ﴿ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ أي: المعاد يوم القيامة. ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ أي: خَلَقَ في عباده الضَّحِك والبكاء وسببهما، وهما مختلفان، ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ؛ كقوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك:2].