حجم الخط:

الآيات (275-281)

الآية (275): لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، الـمُخرجين الزكوات، شرع في ذكر أكَلَةِ الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشُّبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبُّط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرًا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يُخْنَق. وقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب، في حديث المنام الطويل: «فأتينا على نهر-حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم- وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح [ما يسبح] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا» وذكر في تفسيره: أنه آكل الربا.

قوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا أي: إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ أي: هو نظيره، فلِمَ حَرُمَ هذا وأُبيحَ هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع. أي: هذا مثل هذا، وقد أحلَّ هذا وحرم هذا. ويحتمل أن يكون من تمام الكلام ردًا عليهم، أي: قالوا ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حُكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا مُعقّب لحُكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيُبيحه لهم، وما يضرُّهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ أي: من بلغه نَهيُ الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف، قال سعيد بن جبير والسدي: ما كان أكل من الربا قبل التحريم. قال النبي [في حجة الوداع] : «وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس» [رواه مسلم]. ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال: ﴿ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

الآية (276): يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يُذهبه، إما بأنْ يُذهبه بالكلّية من يد صاحبه، أو يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذّبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة كما قال تعالى : ﴿ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال: 37]. وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي ، أنه قال: «إن الربا وإن كَثُرَ فإن عاقبته تصير إلى قِلّ» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر ]. وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود.

وقوله: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ قُرئ بضم الياء والتخفيف، مِن «رَبَا الشيءُ يربو وأرباه يربيه» أي: كثَّره ونمّاه ينميه. وقُرئ: «ويُرَبِّي» بالضم والتشديد، من التربية. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من تصدق بعدل تمرة مِن كسبٍ طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله ليقبلها بيمينه، ثم يُربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى يكون مثل الجبل» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل.

ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة؛ وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.

الآية (277): ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شُكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعدَّ لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التَّبِعات آمنون، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

الآية (278-279): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يُقرّبهم إلى سخطه ويُبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي: خافوه وراقِبوه فيما تفعلون ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا وغير ذلك.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار؛ قال ابن عباس: ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله، وقال: فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه كان حقًّا على الإمام أن يستتيبه، فإن نَزَع وإلا ضَرب عنقه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ أي: بأخْذِ الزيادة ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ أي: بوضع رؤوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتُم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.

الآية (280): يأمر تعالى بالصبر على الـمُعسِر الذي لا يجد وفاءً، فقال: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ لا كما كان أهل الجاهلية، يقول أحدهم لمدينِهِ إذا حلَّ عليه الدَّين: إما أن تقضي وإما أن تُربي. ثم يندب [الله] إلى الوضع عنه، ويَعِدُ على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلّية وتضعوه عن المدِيْن.

روى أبو اليَسَر، أن رسول الله قال: «من أنظَر مُعسرًا أو وضع عنه؛ أظلَّهُ الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله» [أخرجه مسلم].

الآية (281): ثم قال تعالى يَعِظُ عباده ويُذكّرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وقد روي أن هذه الآية آخِرُ آية نزلت من القرآن العظيم.