الآية (28): ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويُهَلِّلُونه، ويحمدونه ويُسبِّحُونه ويُكبِّرونه، ويسألونه بكرةً وعشيًّا من عباد الله، سواءً كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يُجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخَبَّاب وابن مسعود، وليُفْرِد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ الآية [الأنعام:52]، وأَمَرَه أن يَصبِر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾.
عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نَفَر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يَجْتَرِئُون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل مِن هُذَيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوَقَع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يَقَع، فحَدَّثَ نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ ﴾ [رواه مسلم].
وقوله: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس: ولا تُجاوِزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بَدَلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ أي: شُغِلَ عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ أي: أعماله وأفعاله سَفَهٌ وتفريط وضياع، ولا تكن مُطِيعًا له ولا مُحِبًّا لطريقته، ولا تَغْبِطْه بما هو فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ [طه:131].
الآية (29): يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مِرية فيه ولا شكَّ. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا ﴾ أي: أَرْصَدْنَا ﴿ لِلظَّالِمِينَ ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ أي: سورها، ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾ الآية، قال ابن عباس: «الـمُهْل»: ماء غليظٌ مثل دُرْدِيِّ الزيت. وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر؛ فإن الـمُهْل يجمع هذه الأوصاف الرَّذيلة كلها، فهو أسود مُنْتِنٌ غليظ حارٌّ؛ ولهذا قال: ﴿ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾ أي: من حَرِّه، إذا أراد الكافر أن يَشرَبَه وقَرَّبه من وجهه، شواه حتى يسقط جلد وجهه فيه، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة: ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ ﴾ أي: بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد:15]، وقال تعالى: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ [الغاشية:5] أي: حارَّة، كما قال تعالى: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ [الرحمن:44]، ﴿ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ أي: وساءت النار منزلًا ومَقِيلًا ومُجْتَمَعًا ومَوْضِعًا لِلِارْتِفَاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:66].
الآية (30-31): لَـمَّا ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنَّى بذِكْر السعداء، الذين آمنوا بالله وصَدَّقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعَمِلوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ والعَدْن: الإقامة، ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ أي: من تحت غُرَفِهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾ [الزخرف:51]. ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ أي: من الحِلْيَة ﴿ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ﴾ وقال في المكان الآخر: ﴿ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج:23]، وفَصَّلَه ههنا فقال: ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ فالسُنْدُس: ثياب رِفَاع رِقاق كالقمصان وما جَرى مجراها، وأما الإستبرق: فغَليظ الديباج وفيه بريق.
وقوله: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ﴾ الاتكاء قيل: الاضطجاع. وقيل: التربُّع في الجلوس. وهو أشبه بالمراد ههنا، ومنه الحديث الصحيح: «أما أنا فلا آكُلُ مُتَّكِئًا» [رواه البخاري]. فيه القولان. والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير تحت الـحَجَلة، والله أعلم.
﴿ نِعْمَ الثَّوَابُ ﴾ أي: نِعْمَتِ الجنةُ ثوابًا على أعمالهم، ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ أي: حَسُنَتْ مَنْزِلًا ومَقِيلًا ومَقَامًا، كما قال في النار: ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف:29]. وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:66]، ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴿٧٥﴾ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:75-76].
الآية (32-34): يقول الله تعالى بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضَرَب لهم مثلًا برجلين، جَعَل الله ﴿ لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴾ أي: بستانين من أعناب، مَحْفُوفَتَيْن بالنخل الـمُحْدِقَة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مُثمِر مُقبلٌ في غاية الجود؛ ولهذا قال: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ﴾ أي: أَخْرَجَتْ ثَمَرَهَا. ﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ أي: ولم تَنْقُصْ منه شيئًا.
﴿ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ أي: والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا.
﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قيل: المراد به: المال. وقيل: الثِّمار، وهو أظهر ههنا، ﴿ فَقَالَ ﴾ أي صاحب هاتين الجنَّتين: ﴿ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ أي: يُجادِله ويُخاصِمه، يَفتَخِر عليه ويتَرَأَّس: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ أي: أكثر خَدَمًا وحَشَمًا وولدًا. قال قتادة: تلك -والله- أُمنية الفاجر: كثرة المال وعِزَّة النَّفَر.