حجم الخط:

الآيات (28-34)

الآية (28): ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويُهَلِّلُونه، ويحمدونه ويُسبِّحُونه ويُكبِّرونه، ويسألونه بكرةً وعشيًّا من عباد الله، سواءً كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي أن يجلس معهم وحده، ولا يُجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخَبَّاب وابن مسعود، وليُفْرِد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية [الأنعام:52]، وأَمَرَه أن يَصبِر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ .

عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ستة نَفَر، فقال المشركون للنبي : اطرد هؤلاء لا يَجْتَرِئُون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل مِن هُذَيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوَقَع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يَقَع، فحَدَّثَ نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال ابن عباس: ولا تُجاوِزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بَدَلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا أي: شُغِلَ عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا أي: أعماله وأفعاله سَفَهٌ وتفريط وضياع، ولا تكن مُطِيعًا له ولا مُحِبًّا لطريقته، ولا تَغْبِطْه بما هو فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ [طه:131].

الآية (29): يقول تعالى لرسوله محمد : وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مِرية فيه ولا شكَّ. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا أي: أَرْصَدْنَا ﴿ لِلظَّالِمِينَ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا أي: سورها، ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ الآية، قال ابن عباس: «الـمُهْل»: ماء غليظٌ مثل دُرْدِيِّ الزيت. وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر؛ فإن الـمُهْل يجمع هذه الأوصاف الرَّذيلة كلها، فهو أسود مُنْتِنٌ غليظ حارٌّ؛ ولهذا قال: ﴿ يَشْوِي الْوُجُوهَ أي: من حَرِّه، إذا أراد الكافر أن يَشرَبَه وقَرَّبه من وجهه، شواه حتى يسقط جلد وجهه فيه، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة: ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ أي: بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15]، وقال تعالى: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية:5] أي: حارَّة، كما قال تعالى: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:44]، ﴿ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا أي: وساءت النار منزلًا ومَقِيلًا ومُجْتَمَعًا ومَوْضِعًا لِلِارْتِفَاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:66].

الآية (30-31): لَـمَّا ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنَّى بذِكْر السعداء، الذين آمنوا بالله وصَدَّقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعَمِلوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ والعَدْن: الإقامة، ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ أي: من تحت غُرَفِهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]. ﴿ يُحَلَّوْنَ أي: من الحِلْيَة ﴿ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وقال في المكان الآخر: ﴿ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23]، وفَصَّلَه ههنا فقال: ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ فالسُنْدُس: ثياب رِفَاع رِقاق كالقمصان وما جَرى مجراها، وأما الإستبرق: فغَليظ الديباج وفيه بريق.

وقوله: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ الاتكاء قيل: الاضطجاع. وقيل: التربُّع في الجلوس. وهو أشبه بالمراد ههنا، ومنه الحديث الصحيح: «أما أنا فلا آكُلُ مُتَّكِئًا» [رواه البخاري]. فيه القولان. والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير تحت الـحَجَلة، والله أعلم.

﴿ نِعْمَ الثَّوَابُ أي: نِعْمَتِ الجنةُ ثوابًا على أعمالهم، ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا أي: حَسُنَتْ مَنْزِلًا ومَقِيلًا ومَقَامًا، كما قال في النار: ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29]. وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:66]، ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴿٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:75-76].

الآية (32-34): يقول الله تعالى بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضَرَب لهم مثلًا برجلين، جَعَل الله ﴿ لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ أي: بستانين من أعناب، مَحْفُوفَتَيْن بالنخل الـمُحْدِقَة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مُثمِر مُقبلٌ في غاية الجود؛ ولهذا قال: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا أي: أَخْرَجَتْ ثَمَرَهَا. ﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا أي: ولم تَنْقُصْ منه شيئًا.

﴿ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا أي: والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا.

﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ قيل: المراد به: المال. وقيل: الثِّمار، وهو أظهر ههنا، ﴿ فَقَالَ أي صاحب هاتين الجنَّتين: ﴿ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أي: يُجادِله ويُخاصِمه، يَفتَخِر عليه ويتَرَأَّس: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا أي: أكثر خَدَمًا وحَشَمًا وولدًا. قال قتادة: تلك -والله- أُمنية الفاجر: كثرة المال وعِزَّة النَّفَر.