حجم الخط:

الآيات (28-35)

الآية (28-30): قال تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ أي: بل ظَهَر لهم حينئذٍ ما كانوا يُخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة؛ كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢٣ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ۚ [الأنعام:23-24]. ويُحتمَل أنهم ظَهَر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه؛ كقوله مخبرًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102]. وقوله تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]. ويُحتمل أن يكون المراد بهؤلاء: المنافقين الذين كانوا يُظهرون للناس الإيمان ويُبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عمَّا يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا يُنافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب؛ فقد ذَكَر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت:11]؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة حين يُعاينون العذاب يَظهر لهم حينئذٍ غِبُّ ما كانوا يُبطِنون من الكفر والشِّقاق والنفاق، والله أعلم.

وأما معنى الإضراب في قوله: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ فَإنهم ما طلبوا العَود إلى الدنيا رغبةً ومحبةً في الإيمان، بل خوفًا من العذاب الذي عاينوه جزاء على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أي في طلبهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان. ثم قال مخبرًا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والمخالفة، ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أي في قولهم: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]. ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي لعادوا لما نهوا عنه، ولقالوا: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، ثم لا مَعاد بعدها؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ثم قال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ أي: أُوقفوا بين يديه، ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ أي: أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون؟! ﴿ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بما كنتم تُكَذِّبُون به، فذُوقوا اليوم مَسّه ﴿ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [الطور:15].

الآية (31-32): يقول تعالى مُخبرًا عن خَسَارة من كذَّب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتةً، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أَسْلَف من قبيح الفعل؛ ولهذا قال: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وهذا الضمير يُحتمل عَوْدُه على الحياة الدنيا وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة، أي: في أمرها.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون.

وقوله: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي: إنما غالبها كذلك ﴿ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ .

الآية (33-34): يقول تعالى مُسليًا لنبيه ، في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ أي: قد أحَطْنا علمًا بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] كما قال في الآية الأخرى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]. وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، ﴿ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي: ولكنهم يُعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم؛ كما قال عليٌّ: قال أبو جهل للنبي : إنا لا نُكذِّبُك، ولكن نُكذِّب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [رواه الحاكم، وصحح إسناده أحمد شاكر].

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا هذه تسلية للنبي وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأَمْرٌ له بالصبر كما صَبَر أولو العزم من الرسل، ووَعْدٌ له بالنصر كما نُصِرُوا، وبالظَّفَر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿١٧٢ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173]، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]. وقوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي: من خَبَرِهم كيف نُصِروا وأُيِّدُوا على من كذَّبهم من قومهم، فلَكَ فيهم أسوة، وبهم قدوة.

الآية (35): ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ أي: إن كان شَقَّ عليك إعراضهم عنك ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ قال ابن عباس: النَّفقُ: السّرْب، فتذهب فيه ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أو تَجعَل لك سُلَّمًا في السماء فتصعد فيه ﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أفضل مما أتيتهم به، فَافْعَلْ.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]، قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ، قال: إن رسول الله كان يَحرص أن يُؤمِن جميع الناس ويُتابعوه على الهدى، فأَخبَر اللهُ أنه لا يُؤمن إلا من قد سَبَق له من الله السعادة في الذِّكر الأول.