حجم الخط:

الآيات (28-38)

الآية (28): قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا أي: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا أي: عِدْهُم وَعْدًا بسهولة ولِين: إذا جاء رزق الله فسنصلِكم إن شاء الله.

الآية (29-30): يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش، ذامًّا للبخل، ناهيًا عن السَّرَف: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ أي: لا تكن بخيلًا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] أي: نسبوه إلى البخل. وقوله: ﴿ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو كالدابة التي قد عجزت عن المسير، فوقفت ضعفًا وعجزًا؛ فإنها تسمى الحسير. هكذا فسَّر هذه الآية -بأن المراد هنا البخل والسرف- ابن عباس والحسن وقتادة. في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله : «أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا تُوعِي فَيُوعي الله عليك، ولا تُوكي فَيُوكي الله عليك». قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إخبار أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، بما لَه في ذلك من الحكمة؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا أي: خبير بصير بِمَن يستحق الغنى ومَن يستحق الفقر، وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا، والفقر عقوبة، عياذًا بالله من هذا وهذا.

الآية (31): هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحمُ بعباده من الوالد بولده؛ لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى بالأولاد في الميراث، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عَيْلَتُه، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ أي: خوفَ أن تفتقروا في ثاني الحال؛ ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ . وفي الأنعام: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ أي: من فقر ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151]. قوله: ﴿ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا أي: ذنبًا عظيمًا. في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَمَ معك».

الآية (32): يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا وعن مقاربته، وهو مخالطة أسبابه ودواعيه: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً أي: ذنبًا عظيمًا ﴿ وَسَاءَ سَبِيلًا أي: وبئس طريقًا ومسلكًا.

الآية (33): يقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

وقوله: ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا أي: سلطة على القاتل؛ فإنه بالخيار فيه: إن شاء قتله قَوَدًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما ثبتت السنة بذلك. وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ قالوا: معناه: فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا أي: أن الوليَّ منصورٌ على القاتل شرعًا، وغالبٌ قدَرًا.

الآية (34-35): قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ أي: لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6]، وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله قال لأبي ذر: «ولا تَولَّين مال يتيم». وقوله: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يُسأل صاحبه عنه، ﴿ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا أي: عنه. قوله: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم. قوله: ﴿ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ قرئ بضم القاف وكسرها -كالقرطاس- وهو الميزان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية، ﴿ الْمُسْتَقِيمِ أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب، ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ أي: لكم في معاشكم ومعادكم؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي: مآلًا ومنقلبًا في آخرتكم.

الآية (36): قوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ قال ابن عباس: يقول: لا تقل، وقال قتادة: لا تقل: رأيتَ ولم تر، وسمعتَ ولم تسمع، وعلمتَ ولم تعلم؛ فإن الله سائلك عن ذلك كله. ومضمون ما ذكروه: أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]. وقوله: ﴿ كُلُّ أُولَٰئِكَ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا أي: سيُسأل العبد عنها يوم القيامة، وعما عمل فيها.

الآية (37-38): يقول تعالى ناهيًا عباده عن التَّجَبّر والتبختر في المشية: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي: متبخترًا متمايلًا مشي الجَبَّارين ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي: لن تقطع الأرض بمشيك ﴿ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده؛ كما ثبت في الصحيح: «بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بُرْدَان يتبختر فيهما إذ خُسِف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» [متفق عليه]. وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض. قوله: ﴿ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا معناه: كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى ههنا فَسيّئُه؛ أي: فقبيحه مكروه عند الله.