الآية (28-29): يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبًا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذّبوا رسله، وقتلوا وليّه. ويذكر تعالى أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قال ابن مسعود: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ﴾ أي: ما كاثرناهم بالجموع، الأمر كان أيسر علينا من ذلك: ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية. وقيل: وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم. وقيل: المعنى في قوله: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ أي: من رسالة أخرى إليهم. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾. قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا. قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد. وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين؛ ذكروه عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ ﴾ [القصص: 43]. فعلى هذا يتعين أن هذه القرية قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف، أو تكون أنطاكية -إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة- مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة؛ فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الآية (30-32): قال ابن عباس: ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ﴾ أي: يا ويل العباد. وقال قتادة: أي: يا حسرة العباد على أنفسها، على ما ضيعت من أمر الله، وفرّطت في جنب الله. ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب! كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله؟! فإنهم كانوا في الدار الدنيا -المكذبون منهم- ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أُرسل به من الحق. ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي: ألم يتّعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؟ كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كَرَّةٌ ولا رجعة! ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفَجَرتهم من قولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ [المؤمنون:37]. ﴿ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيام بين يدي الله عز وجل ، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [هود: 111].
الآية (33-36): ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ ﴾ أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ﴿ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ﴾ أي: إذا كانت ميتةً هامدةً لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: ﴿ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ أي: جعلناه رزقًا لهم ولأنعامهم. ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴾ أي: جعلنا فيها أنهارًا سارحةً في أمكنة، يحتاجون إليها. ﴿ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ﴾ لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم؛ عَطَف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها. ﴿ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله بهم، لا بسعيهم ولا كدّهم، ولا بحولهم وقوّتهم. ولهذا قال: ﴿ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾؟! أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى؟! ثم قال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ﴾ أي: من زروع وثمار ونبات. ﴿ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فجعلهم ذكرًا وأنثى، ﴿ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها.
الآية (37-38): يقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته تعالى العظيمة: خلق الليل والنهار؛ هذا بظلامه، وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا؛ كما قال: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ [الأعراف:54]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ﴾ أي: نصرمه منه فيذهب، فيُقبل الليل؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴾، كما في الحديث: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» [متفق عليه]. وفي معنى ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات. والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني. ﴿ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ﴾ أي: الذي لا يُخالَف ولا يُمانَع ﴿ الْعَلِيمِ ﴾ بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك وقنَّنَه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكُس؛ كما قال تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: 96].
الآية (39-40): ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ أي: جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مُضيّ الشهور، كما أن الشمس يُعرف بها الليل والنهار؛ كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ [يونس:5] الآية، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا. والقمر قدّره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلًا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلةً، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم. قال ابن عباس: وهو أصل العِذْق. يعني: أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى. ثم بعد هذا يبديه الله جديدًا في أول الشهر الآخر. قوله: ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ﴾ قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يُقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا. وقال عكرمة: يعني: أن لكل منهما سلطانًا، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. ﴿ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ المعنى في هذا: أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ؛ لأنهما مسخران [دائبان] يتطالبان طلبًا حثيثًا. ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ يعني: الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون، أي: يدورون في فلك السماء. قال ابن عباس وغير واحد: في فَلْكةٍ كفَلْكَة المغْزَل.