الآية (28-30): ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾؛ كما قال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف:12-14].
وقد امتثل نوح عليه السلام هذا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ [هود:41].
فذَكَر اللهَ تعالى عند ابتداء سَيْره وعند انتهائه، وقال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ﴾ أي: إن في هذا الصنيع -وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين- ﴿ لَآيَاتٍ ﴾ أي: لَـحُجَجًا ودلالاتٍ واضحاتٍ على صِدْقِ الأنبياء فيما جاؤوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لِـمَا يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء.
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ أي: لَـمُخْتَبِرِينَ للعباد بإرسال المرسلين.
الآية (31-41): ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح ﴿ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ قيل: المراد بهم عاد؛ فإنهم كانوا مُسْتَخْلَفين بعدَهم.
وقيل: المراد بهؤلاء ثَمُود؛ لقوله: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ﴾ وأنه تعالى أَرسَل فيهم رسولًا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكَذَّبوه وخالفوه، وأَبـَـوْا من اتباعه لكونه بَشَرًا مثلهم، واسْتَنْكَفُوا عن اتباع رسول بشريٍّ، وكَذَّبُوا بِلقَاء الله في القيامة، وأَنكَرُوا المعاد الـجُثْمَانِيَّ، وقالوا: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴿٣٥﴾ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: بعيدٌ بعيدٌ ذلك.
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنِّذَارَة والإخبار بالمعاد ﴿ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾.
﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ أي: اسْتَفْتَحَ عليهم الرسول واستنصَرَ ربَّه عليهم، فأجاب دعاءَه ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾ أي: بمخالفتك وعِنَادك فيما جِئتَهم به، ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ﴾ أي: وكانوا يَسْتَحِقُّون ذلك من الله لكُفْرهم وطُغْيَانهم.
والظاهر أنه اجتمع عليهم صَيْحَةٌ مع الريح الصـرصـر الْعَاصِفِ القويِّ الباردة ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ﴾ [الأحقاف:25].
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ﴾ أي: صَرعَى هَلْكَى كغُثَاء السَّيْل، وهو الشيء الـحَقِير التَّافِه الهالك الذي لا يُنتفَع بشيء منه.
قوله: ﴿ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾ [الزخرف:76] أي: بكُفرِهم وعِنَادهم ومخالفةِ رسول الله، فليَحذَر السامعون أن يُكَذِّبُوا رسولهم.
الآية (42): يقول تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ أي: أُمَمًا وخلائق.