حجم الخط:

الآيات (29-34) من سورة الرعد

الآية (29):

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ قال ابن عباس: فرح وقُرة عين. وقال عكرمة: نعْم ما لهم. وقال الضحاك: غبطةٌ لَهُم. وقال قتادة: ﴿ طُوبَىٰ لَهُمْ : حسنى لهم ﴿ وَحُسْنُ مَآبٍ أي: مرجع. وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها. وقال شَهْر بن حَوْشَب: ﴿ طُوبَىٰ شجرة في الجنة، كُلُّ شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة. وهكذا رُوي عن أبي هريرة وابن عباس. وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله : أن رجلًا قال: يا رسول الله، وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» [رواه أحمد، وحسنه الألباني].

الآية (30):

يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسل من قَبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حُلول النقم بهم؛ فإن تكذيبهم لك أشدُّ من تكذيب غيرك من المرسلين. قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن، لا يُقرّون به؛ لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم؛ ولهذا أَنِفُوا يوم الحديبية أن يكتبوا «بسم الله الرحمن الرحيم» وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم [ متفق عليه] قاله قتادة. ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به، معترف مُقِرٌّ له بالربوبية والإلهية، هو ربي لا إله إلا هو ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: في جميع أموري ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابِ أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.

الآية (31):

يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ، ومُفضِّلًا له على سائر الكتب المُنزَّلة قبله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تُقْطَعُ به الأرض وتنشق، أو تُكَلَّم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له.

قوله: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أي: مَرْجِعُ الأمور كلها إلى الله عز وجل ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أي: من إيمان جميع الخلق، ويعلموا أو يتبينوا ﴿ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا فإنه ليس ثَمَّ حجةٌ ولا معجزة أبلغ ولا أَنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ، ولا يشبع منه العلماء.

قوله: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ أي: بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تُصيبهم في الدنيا، أو تُصيب مَن حولهم ليتّعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27]. قال الحسن: ﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ أي: القارعة. وهذا هو الظاهر من السياق. قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ يعني: فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47].

الآيات (32-33):

يقول تعالى مُسَليًا لرسوله في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ أي: فلَك فيهم أسوة ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: أَنظرْتُهُم وأَجَّلْتُهُم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أخذةً رابيةً، فكيف بلغك ما صنعتُ بهم وعاقبتُهم؟! وفي الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ رسول الله : ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]. قوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية. أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تُبصر ولا تَعْقِلُ، ولا تملك نفعًا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضُرٍّ عنها ولا عن عابديها؟! وحُذِف هذا الجواب اكتفاءً بدلالة السياق عليه، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ أي: عبدوها معه، من أصنام وأنداد وأوثان. ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ أي: أعلِمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يُعرَفوا؛ فإنهم لا حقيقة لهم؛ ولهذا قال: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أي: لا وجود له؛ لأنه لو كان له وجود في الأرض [لعَلِمه]؛ لأنه لا تخفى عليه خافية.

قوله: ﴿ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول. أي: إنما عبدْتُم هذه الأصنام بظنٍّ منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة، ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ الآية [النجم:23]. قوله: ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال مجاهد: قولهم، أي: ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار. ﴿ وَصُدُّوا أي: بما زُيّن لهم من صحة ما هم عليه، صُدّوا به عن سبيل الله؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ، كما قال: ﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ الآية [النحل:37].

الآية (34):

ذكر تعالى عقابَ الكفار وثواب الأبرار فقال -بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك-: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: بأيدي المؤمنين قتلًا وأسرًا، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أي: الـمُدَّخَر مع هذا الخزي في الدنيا، ﴿ أَشَقُّ أي: من هذا بكثير؛ فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا، ووِثَاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ﴿ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26].