الآية (29): يخبر تبارك وتعالى أنه ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾ يعني: يأخذ منه في النهار، فيطولُ ذاك ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف؛ يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء، ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ قيل: إلى غاية محدودة. وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح. وقوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحج:70]. ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء؛ كقوله: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق:12].
الآية (30): قوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾ أي: إنما يُظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل؛ فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه؛ لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذَرّة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ أي: العلي: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
الآية (31): يخبر تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره؛ فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال: ﴿ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ﴾ أي: من قدرته ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ أي: صبَّار في الضراء، شكور في الرخاء.
الآية (32): ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ﴾ أي: كالجبال والغمام ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [العنكبوت:65]. ثم قال: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾ قال مجاهد: أي كافر. كأنه فسر المقتصد ههنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت:65]. وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل. وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾ [فاطر:32]، فالمقتصد ههنا هو: المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون مرادًا هنا أيضًا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرًا والحالة هذه، والله أعلم. وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ فالخَتَّار: هو الغَدَّار. وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والخَتْر: أتَم الغدر وأبلغه، ﴿ كَفُورٍ ﴾ أي: جَحُود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها.
الآية (33): يقول تعالى منذرًا للناس يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من يوم القيامة حيث ﴿ لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قُبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يتقبل منه. ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ يعني: الشيطان. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة؛ فإنه يغر ابن آدم ويَعِدُهُ ويُمنّيه، وليس من ذلك شيء، بل كما قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء:120].
الآية (34): هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾ [الأعراف:187]، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ الآية [الأنعام:59]. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس: مفاتيح الغيب. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾» [انفرد بإخراجه البخاري]. قوله: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يُطلع عليهن مَلَكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، أو ليل أو نهار، ﴿ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت، لعلك الميت غدًا! لعلك المصاب غدًا ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، أو سهل أو جبل! عن أبي عزة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها - أو قال: بها - حاجة» [رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني].