الآية (29): ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾ يقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالًا؛ أُجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من الله عز وجل، ﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه، احتشامًا ونفاسةً منهم أن يجلسوا معهم؛ كما سأل أمثالهم خاتم الرسل ﷺ أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلسًا خاصًا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ [الأنعام:52]، [وقال]: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ [الكهف:28]، وقال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ الآيات [الأنعام:53].
الآية (30):[1]
الآية (31): ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ يخبرهم أنه رسولُ من الله، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويخبرهم أنه لا يَقدِر على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بمَلك من الملائكة، بل بشر مرسل، مؤيد بالمعجزات. ولا أقولُ عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم: إنه ليس لهم عند الله ثواب على إيمانهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطنًا، كما هو الظاهر من حالهم، فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحدٌ بِشَرٍّ بعد ما آمنوا، لكان ظالمًا قائلًا ما لا علم له به.
الآية (32): يقول تعالى مخبرًا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: ﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أي: من النقمة والعذاب؛ ادع علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به ﴿ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾.
الآية (33): ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يُعجِزُه شيء.
الآية (34): ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ أيْ: أيّ شيء يُجدِي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي، إن كان الله يريد إغواءكم ودماركم ﴿ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: هو مالك أَزِِمَّة الأمور، والمتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، مالك الدنيا والآخرة.
الآية (35): ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ هذا كلام معترض في وسط هذه القصة، مؤكد لها، مقرر لها؛ يقول تعالى لمحمد ﷺ: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا وافتعَله من عنده. ﴿ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي ﴾ أي: فإثم ذلك علي، ﴿ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ أي: ليس ذلك مُفتعَلًا، ولا مُفترًى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.
الآية (36): يخبر تعالى أنه أوحى إلى نُوح لما استعجل قومُه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوحُ دعوته التي قال الله تعالى مخبرًا عنه أنه قال: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح:26]، ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾ [القمر:10]، فعند ذلك أوحى الله إليه: ﴿ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يَهُمَّنك أمرهم.
الآية (37): ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ ﴾ يعني: السفينة ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بمرأى منا ﴿ وَوَحْيِنَا ﴾ أي: تعليمنا لك ما تصنعه، ﴿ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾.