حجم الخط:

الآيات (3-11)

الآية (3): يُخْبِر تعالى عن جَهل المشركين في اتِّخاذهم آلهةً من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأَزِمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يَشَأْ لم يَكُن، ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يَقْدِر على خَلْق جَنَاح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضَرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟!

﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا أي: ليس لهم من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله عز وجل الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أَوَّلَـهُمْ وَآخِرَهُم، ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28]، ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53]، فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ما شاء كان وما لم يَشَأْ لم يكن. وهو الذي لا وَلَدَ له ولا والد، ولا عَدِيل ولا نَدِيد ولا وَزِيرَ ولا نظير، بل هو الأَحَد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

الآية (4-6): يقول تعالى مخبرًا عن سَخَافة عقول الـجَهَلَة من الكفار، في قولهم عن القرآن: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ أي: كَذِب.

﴿ افْتَرَاهُ يعنون: النبي ، ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ أي: واستعان على جَمْعِه بقوم آخرين، قال تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كَذِبَ أنفسهم فيما يزعمون.

﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا يعنون: كُتُبُ الأوائل استنسخها، ﴿ فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ أي: تُقرأ عليه ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي: في أول النهار وآخره. وهذا الكلام -لسخافته وكَذِبِه وبُهْتِه منهم- كُلُّ أحد يَعلَم بطلانه؛ فإنه قد عُلِم بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة، لا في أوَّل عمره ولا في آخره، وقد نَشَأ بين أَظهُرهم من أوَّل مَولِده إلى أن بَعَثَه الله نَحْوًا من أربعين سنةً، وهم يعرفون مَدْخَله ومَخْرَجَه، وصِدقَه، وبِرَّه وأمانته ونزاهته من الكَذِب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يُسَمُّونَه في صِغَره إلى أن بُعِثَ إلا الأمين، لِـمَا يعلمون من صِدْقِه وبِرِّه. فلمَّا أَكرَمه الله بما أَكرَمه به، نَصَبُوا له العداوة، وَرَموْه بهذه الأقوال التي يَعلَمُ كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يَقذِفُونه به، فتارةً من إفكهم يقولون: ساحر، وتارةً يقولون: شاعر، وتارةً يقولون: مجنون، وتارةً يقولون: كَذَّاب، قال الله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:48، الفرقان:9].

وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: أَنَزَل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صِدْقًا مُطَابِقًا للواقع، ماضيًا ومستقبلًا.

﴿ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا دعاءٌ لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمته واسعة، وأن حِلْمَه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه. فهؤلاء مع كَذِبهم وافترائهم وفُجُورهم وبُهْتِهِم وكُفْرِهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عمَّا هم فيه إلى الإسلام والهدى؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:73-74]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10]، قال الحسن: انظروا إلى هذا الكَرَم والجود؛ قَتَلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة.

الآية (7-11): يخبر تعالى عن تَعَنُّت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحقِّ بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تَعَلَّلوا بقولهم: ﴿ مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج.

﴿ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ أي: يَتَرَدَّد فيها وإليها طَلبًا للتَّكَسُّب والتجارة، ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا يقولون: هلَّا أُنْزِل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدًا على صِدْق ما يَدَّعيه! كما قال فرعون: ﱡﭐ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف: 53]

وكذلك قال هؤلاء على السَّوَاء؛ تَشَابَهت قلوبهم. ولهذا قال: ﴿ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ يُنفِق منه ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سَهل يسيرٌ على الله، ولكن له الحكمة في تَرك ذلك، وله الحجة البالغة ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا . قال الله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ أي: جاؤوا بما يَقذِفونك به ويَكذِبون به عليك، من قولهم: «ساحر، مسحور، مجنون، كذَّاب، شاعر». وكلُّها أقوال باطلة، كلُّ أَحَد ممَّن له أدنى فَهْم وعَقْل يَعْرِف كَذِبَهم وافتراءهم في ذلك. ولهذا قال: ﴿ فَضَلُّوا أي: عن طريق الهدى، ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ؛ وذلك لأن كلَّ من خَرَجَ عن الحقِّ فإنه ضَالٌّ حيثما تَوَجَّهَ؛ لأن الحقَّ واحد ومنهج مُتَّحِد، يُصَدِّق بعضه بعضًا. ثم قال تعالى مخبرًا نبيَّه أنه لو شاء لآتاه خيرًا ممَّا يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا . قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يُسَمُّون كلَّ بيت من حجارة قَصْرًا، سواءً كان كبيرًا أو صغيرًا.

وقوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ أي: إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبًا وعنادًا، لا أنهم يطلبون ذلك تَبَصُّرًا واسْتِرْشَادًا، بل تَكذِيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال.

﴿ وَأَعْتَدْنَا أي: وأَرصَدْنا ﴿ لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا أي: عذابًا أليما حارًّا لا يُطَاق في نار جهنم. وقال سعيد بن جبير: «السَّعِير»: وادٍ من قَيْح جهنم.