الآية (30): يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك. ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ﴾ أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ﴾ [الأنعام:165]. وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط، إذ لو كان كذلك لما حَسُن قول الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإن الله أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حَمَإٍ مسنون، أو أنهم قاسوهم على من سبق. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا! ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أنّ منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ أي: نصلي لك، ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلّا وقع الاقتصار علينا؟!
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ قال ابن جرير: التقديس: التعظيم والتطهير. فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾: نُنَزِّهُكَ ونُبَرِّئُكَ مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف -على المفاسد التي ذكرتموها- ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء والصالحون والعُبّاد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى، المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم. قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
الآية (31-33): هذا مقامٌ ذكَر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، ليبين لهم شرف آدم بما فُضِّل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ عَلَّمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها، عن أنس عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا! فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجَد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا» [رواه البخاري]. فدل هذا على أنه علّمه أسماء جميع المخلوقات ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ يعني: المسميات ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علّمهم الله تعالى، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ ﴾ بكل شيء ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك، والعدل التام.
﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾: فلما ظهر فضل آدم عليه السلام، على الملائكة عليهم السلام، في سَرْدِهِ ما علَّمه الله تعالى من أسماء الأشياء، ﴿ قَالَ ﴾ الله تعالى للملائكة: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾: أعلم الغيب الظاهر والخفي، فلا يخفى عَلَيَّ شيء، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم.
الآية (34): وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وقد دل على ذلك أحاديث كثيرة منها: حديث موسى، عليه السلام: «رب، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة»، فلما اجتمع به قال: «أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته»[متفق عليه]، ودخل إبليس في خطابهم؛ لأنه -وإن لم يكن من عُنْصرهم- إلا أنه كان قد تَشَبَّه بهم وتوسَّم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب، وذُمَّ في مخالفة الأمر. قال قتادة: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نُسخ في ملّتنا. ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ ﴾ قال قتادة: حسد عدوُّ الله إبليسُ آدمَ عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكِبْر.
الآية (35-36): يقول الله تعالى -إخبارًا عما أكرم به آدم-: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء ﴿ رَغَدًا ﴾، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا. وأما قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. قال ابن جرير: إن الله جل ثناؤه، نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها، فأكلا منها، ولا عِلم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك. ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ يصح أن يكون الضمير عائداً إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قال عاصم بن بهدلة: فنحَّاهما عن الجنة. ويصح أن يكون عائداً إلى الشجرة، فيكون معنى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ أي: بسببها. ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من اللباس والمنزل الرَّحب والرزق الهنيء والراحة. ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ ﴾ أي: قرار وأرزاق وآجال ﴿ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.
الآية (37): قيل: إن هذه الكلمات مُفسَّرة بقوله تعالى: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف:23]. ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب، وهذا مِن لُطفه بخلقه ورحمته بعبيده.