الآية (30): يعني: يوم القيامة يُحضَر للعبد جميع أعماله من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة:13]، فما رأى من أعماله حسنًا سرَّهُ ذلك وأفرحَهُ، وما رأى من قبيح ساءه وغاظَهُ، ووَدَّ لو أنه تبرَّأ منه، وأن يكون بينهما أمَدٌ بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترِنًا به في الدنيا، وهو الذي جرَّأه على فعل السوء: ﴿ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾ [الزخرف:38]. ثم قال تعالى مؤكدًا ومُهددًا ومتوعدًا: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ ﴾ أي: يخوفكم عقابه، ثم قال -مُرجّيًا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لُطفه-: ﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ قال الحسن البصري: مِن رأفته بهم حذّرهم نفسَهُ. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم.
الآية (31): هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ»، ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ. ثم قال: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته.
الآية (32): ثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي: خالَفوا عن أمره ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ فدلّ على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتَّصف بذلك، وإن ادَّعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم- في زمانه لما وسِعَهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته.
الآية (33-34): يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجَد له ملائكته، وعلّمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحًا عليه السلام وجعله أول رسول إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، وانتقم له لـمَّا طالت مدّته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم؛ فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم. كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله.
الآية (35-36): امرأة عمران هذه هي أم مريم، قال ابن إسحاق: كانت امرأة لا تحمل، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهَبهَا ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ أي: خالصًا مفرغًا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أي: السميع لدعائي، العليم بِنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرًا أم أنثى ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ قُرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل، ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ﴾ أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة؛ لأنه شرع من قبلنا وقد حُكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ؛ حيث قال: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ» [متفق عليه].
وقوله إخبارًا عن أم مريم أنها قالت: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ أي: عَوَّذتها بالله عز وجل من شر الشيطان، وعوَّذت ذريتها، وهو ولدها عيسى عليه السلام. فاستجاب الله لها ذلك كما قال رسول الله ﷺ: «مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إلا مَرْيَم َوابْنَهَا». ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [متفق عليه].
الآية (37): يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويَسّر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا قال: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ أي: جعله كافلًا لها. قال ابن إسحاق: وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة.
وإنما قدّر الله كون زكريا كافلها لسعادتها؛ لتقتبس منه علمًا جمًّا نافعًا، وعملًا صالحًا؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير. وقيل: زوج أختها كما ورد في الصحيح: «فإذا بِيحيى وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ»، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعًا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ ﴾ قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: يعني: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ ﴾ أي: يقول من أين لك هذا؟ ﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.