حجم الخط:

الآيات (30-38)

الآية (30): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي: أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم. عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: أي آية في كتاب الله أرخص[1]؟ قال قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا على شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الزهري: تلا عمر هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا -والله- لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب. وقال ابن عباس: ﴿ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا على أداء فرائضه. وقال قتادة: وكان الحسن يقول: اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة. وقال أبو العالية: ﴿ ثُمَّ اسْتَقَامُوا : أخلصوا له العمل والدين. عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» [رواه مسلم].

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ قال مجاهد والسدي: يعني عند الموت قائلين: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا أي: مما تُقْدِمُون عليه من أمر الآخرة، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا أي: على ما خَلَّفتموه من أمر الدنيا، من ولد وأهل، ومال أو دَين؛ فإنا نَخْلُفكم فيه. ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير. وقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. حكاه ابن جرير عن ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يُبعث. وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا. وهو الواقع.

الآية (31-32): ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم؛ أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نسددكم ونوفقكم، ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقرّ به العيون، ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم. ﴿ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ أي: ضيافة وعطاء وإنعامًا من غفور لذنوبكم، رحيم بكم رؤوف، حيث غفر وستر، ورحم ولطف.

الآية (33): ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ أي: دعا عباد الله إليه، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: وهو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومُتَعَدٍّ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق تبارك وتعالى. وهذه عامة في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله أولى الناس بذلك كما قال محمد بن سيرين والسدي. وقيل: المراد بها المؤذّنون الصُّلَحاء. والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن البصري: أنه تلا هذه الآية: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خِيَرَة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله.

الآية (34): ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ أي: فرق عظيم بين هذه وهذه. ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه؛ كما قال عمر: ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وهو الصديق، أي: إذا أحسنتَ إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم، أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك.

الآية (35): ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك؛ فإنه يشق على النفوس. ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والأخرى. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.

الآية (36): ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلّطه عليك، فإذا استعذت بالله ولجأت إليه كفّه عنك وردَّ كيده.

الآية (37-38): يقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قادر: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ أي: أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليُعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجُمَع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبّه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يُشرَك به؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا أي: عن إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، ﴿ فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة، ﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ؛ كقوله: ﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].