حجم الخط:

الآيات (31-35)

الآية (31): ثم ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي: يطع الله ورسوله ويستجب ﴿ نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا أي: في الجنة؛ فإنهن في منازل رسول الله في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.

الآية (32): هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ قال السُّدي: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي: دَغَل ﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير. ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.

الآية (33-34): قوله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة. وقوله: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة: يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنُّج- فنهى الله عن ذلك. وقال مُقاتل بن حَيَّان: والتبرج: أنها تُلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عُمَّت نساءُ المؤمنين في التبرج. وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من: إقامة الصلاة؛ وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة؛ وهي: الإحسان إلى المخلوقين. ﴿ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهذا من باب عطف العام على الخاص. ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا هذا نص في دخول أزواج النبي في أهل البيت ههنا. قالت عائشة: خرج رسول الله ذات غداة، وعليه مِرط مُرحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [رواه مسلم]. ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي داخلات في قوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ؛ فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ أي: اعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة. واذكرن هذه النعمة التي خُصصتن بها من بين الناس: أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصدّيقة بنت الصدّيق أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصّهن من هذه الرحمة العميمة؛ فإنه لم ينزل على رسول الله الوحي في فراش امرأة سواها، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما في الحديث: «وأهل بيتي أحق» [رواه أحمد، وصححه شعيب الأرنؤوط]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك. قال ابن جرير رحمه الله- واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا أي: ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة -وهي السنة- خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا.

الآية (35): [سبب النزول]: عن أم سلمة زوجِ النبي قالت: قلت للنبي : ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرُعْني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أُسَرّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرتي، حُجْرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: «يا أيها الناس، إن الله يقول: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ » إلى آخر الآية. [رواه أحمد والنسائي، وصححه شعيب الأرنؤوط]. فقوله: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه؛ لقوله تعالى: ﱡﭐ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]. وفي الصحيحين: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ فيسلبه الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه. ﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ القنوت: هو الطاعة في سكون، قال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [الروم:26]، فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، ثم القنوت ناشئ عنهما. ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ هذا في الأقوال؛ فإن الصدق خَصلة محمودة، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا. ﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ هذه سَجيّة الأثبات؛ وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وَتَلَقّي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى؛ أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها. ﴿ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته. ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ الصدقة: هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كَسْبَ لهم ولا كاسب، يُعطَون من فضول الأموال طاعةً لله، وإحسانًا إلى خلقه. ﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله: ﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ . ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة ناسب أن يذكر بعده: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ أي: عن المحارم والمآثم إلا عن المباح. وقوله: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ عن أبي هريرة قال: كان النبي يسير في طريق مكة فقال: «سبق المُفَرّدون». قالوا: وما المُفَرّدون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» [رواه مسلم]. قوله: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم، أن الله تعالى قد أعدّ لهم أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا وهو الجنة.