حجم الخط:

الآيات (31-37)

الآية (31): ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ قال بعضهم: بقولهن. وقال ابن إسحاق: بل بَلَغهُنَّ حُسْنُ يوسف، فأحبَبْن أن يرَيْنَهُ، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي: دعَتْهُنّ إلى منزلها لتضيفهن ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم: هو المجلس الـمُعَدّ، فيه مفارش ومخادّ وطعام، فيه ما يُقطع بالسكاكين من أُتْرُجٍّ ونحوه. ولهذا قال تعالى: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا كان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته ﴿ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿ فَلَمَّا خرج و﴿ رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي: أعظمن شأنه، وأجلَلْن قدره؛ وجعلن يقطّعن أيديهن دَهَشًا برؤيته، وهُنّ يظنُنّ أنهن يقطعن الأترجّ بالسكاكين، والمراد: أنهن حزَزْن أيديهن بها، قاله غير واحد. وقد ذُكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجًا، وآتت كل واحدة منهن سكينًا: هل لكنَّ في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع فرجع؛ ليرينه مقبلًا ومدبرًا، وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتُنّ من نظرة واحدة فعلتُنّ هكذا، فكيف أُلام أنا؟! فقلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ . ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا؛ لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبًا منه؛ فإنه عليه السلام كان قد أُعطي شطر الحُسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله مرَّ بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة، قال: «فإذا هو قد أُعطي شطر الحُسن» [رواه مسلم]. فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ قال مجاهد: معاذ الله ﴿ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ .

الآية (32-33): ﴿ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تقول هذا مُعتذرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يُحَبَّ لجماله وكماله. ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي: فامتنع. قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال. ثم قالت تتوعد: ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ، فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام من شرِّهن وكيدهن، وقال: ﴿ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي: من الفاحشة ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي: إن وكلتني إلى نفسي -فليس لي من نفسي قدرة، ولا أملك لها ضرًّا ولا نفعًا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي- ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ .

الآية (34): قوله: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ذلك أن يوسف عليه السلام عَصَمه الله عِصمة عظيمة وحماه، فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه. ولهذا ثبت أن رسول الله قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب، فقال: إني أخاف الله» [متفق عليه].

الآية (35): يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين؛ أي: إلى مدة، وذلك بعدما عرفوا براءته، وظهرت الآيات -وهي الأدلة- على صدقه في عفته ونزاهته. وكأنهم -والله أعلم- إنما سجنوه لـمَّا شاع الحديث إيهامًا أن هذا راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نُسب إليه من الخيانة، فلما تقرر ذلك خرج وهو نَقِيُّ العِرض. وذكر السُّدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها.

الآية (36): قوله: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ الآية، قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبَّازه. قال السُّدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سَمِّه في طعامه وشرابه. وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث، وحُسن السّمت وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حبًّا شديدًا، وقالا له: والله لقد أحببناك حبًّا زائدًا. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر، أحبني أبي فأُوذيت بسببه، وأحبّتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك. ثم إنهما رأيا منامًا، فرأى الساقي أنه يعصر خمرًا -يعني عنبًا- وقال الآخر -وهو الخباز-: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه، وأنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره. وروى ابن جرير: عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليُجرِّبا عليه.

الآية (37): يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في نومهما من حلم، فإنه عارف بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه؛ ولهذا قال: ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ ، قال مجاهد: في نومكما ﴿ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا . ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا في المعاد.