حجم الخط:

الآيات (31-38)

الآية (31): ﴿ حُنَفَاءَ لِلَّهِ مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قَصْدًا إلى الحق؛ ولهذا قال ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ثم ضَرَب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبُعدِه عن الهدى فقال: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ أي: سَقَط منها، ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ أي: بعيد مُهلِك لمن هوى فيه.

الآية (32-33): ﴿ ذَٰلِكَ هذا ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ أي: أوامره، ﴿ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ومن ذلك تعظيم الهدايا والبُدْن، كما قال ابن عباس: تعظيمها: اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا. وقال أبو أمامة ابن سهل: كنا نُسَمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون [رواه البخاري]. وقال ابن عباس: البُدْن من شعائر الله. وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت. قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ أي: لكم في البُدْن منافع، من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها، وركوبها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى قال ابن عباس: ما لم يُسَمَّ بُدْنًا. وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها، وإن كانت هَدْيًا، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت عن جابر عن رسول الله أنه قال: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئتَ إليها» [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي: مَحِل الـهَدْي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة؛ كما قال تعالى: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95].

الآية (34-35): يُخبر تعالى أنه لم يَزَل ذَبحُ المناسك وإراقةُ الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل. قال ابن عباس: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا قال: عيدًا. وقال عكرمة: ذبحًا. ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أُتِيَ رسول الله بكبشين أَمْلَحَيْن أَقْرَنَيْن، فسَمَّى وكَبَّر، ووَضَع رِجْله على صِفَاحِهما. ﴿ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ أي: معبودكم واحد، وإن تَنوّعَت شرائع الأنبياء ونَسخَ بعضها بعضًا؛ فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُوا أي: أخلصوا واستسلموا لحُكْمه وطاعته. ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ قال مجاهد: الـمُطْمَئِنِّين، وقال الضحاك وقتادة: الـمُتَوَاضِعِين. وقال السُّدي: الوَجِلِين. وأحسن ما يُفَسَّر بما بعده، وهو قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي: خافت منه قلوبُهم، ﴿ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ أي: من المصائب، ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ أي: الـمُؤَدِّين حَقَّ الله فيما أَوجَب عليهم من أداء فرائضه، ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أي: وينفقون ما آتاهم الله من طَيِّب الرزق على أَهلِيهم وأَرِقَّائهم وقراباتهم، وفقرائهم ومحاويجهم، ويُحسِنون إلى خَلْق الله مع محافظتهم على حدود الله.

الآية (36): ﴿ وَالْبُدْنَ قال عطاء: البقرة والبعير. وكذا رُوي عن ابن عمر وابن المسيب والحسن. وقال مجاهد: إنما البُدْن من الإبل. قلت: أما إطلاق البَدَنة على البعير فمُتَّفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البَدَنة على البقرة، على قولين، أصحهما أنه يُطلَق عليها ذلك، ثم جمهور العلماء على أنه تُجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، كما ثَبَتَ به الحديث من رواية جابر قال: أَمَرَنا رسولُ الله أن نشتركَ في الأضاحي، البَدَنةُ عن سبعة، والبقرة عن سبعة [رواه مسلم].

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ أي: ثواب في الدار الآخرة. وقال مجاهد: أجر ومنافع. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: يركبها ويَحلِبها إذا احتاج إليها.

وقوله: ﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا عن جابر قال: صليتُ مع رسول الله عيدَ الأضحى، فلمَّا انصرف أُتِيَ بكَبش فذَبَحَه، فقال: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عنّي، وعمن لم يُضَحِّ من أمتي» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. ﴿ صَوَافَّ قال ابن عباس: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدُها اليسرى. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بَدَنته وهو ينحرها، فقال: ابعَثْها قيامًا مقيدةً؛ سنةُ أبي القاسم . وقال ابن مسعود: «صَوافِن»، أي: مُعقَّلة قيامًا. وقال مجاهد: مَن قرأها «صَوافن» قال: معقولة. ومن قرأها: ﴿ صَوَافَّ قال: تَصُفُّ بين يديها. ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قال مجاهد: سقطت إلى الأرض. وهو رواية عن ابن عباس، وكذا قال مقاتل. وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا يعني: ماتت. وهذا القول هو مُرَادُ ابن عباس ومجاهد؛ فإنه لا يجوز الأكل من البُدْن إذا نُحِرَت حتى تموت وتَبْردُ حركتها. وفي الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قَتَلتُم فأَحْسِنوا القِتْلة، وإذا ذَبَحتم فأحسنوا الذبح، ولْيُحدَّ أحدكم شَفْرَته، ولْيُرِحْ ذَبِيحته» [رواه مسلم]. وعن أبي واقد قال: قال رسول الله : «ما قُطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. ﴿ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ اختلف في المراد، فقال ابن عباس: ﴿ الْقَانِعَ : المتعفف، ﴿ وَالْمُعْتَرَّ : السائل. وهذا قولُ قتادة وإبراهيم النَّخَعي. [وقيل غير ذلك]، واختار ابنُ جرير أنّ ﴿ الْقَانِعَ : هو السائل؛ لأنه مِنْ أَقْنَع بيده إذا رَفَعَها للسُّؤال، و﴿ وَالْمُعْتَرَّ من الاعترار، وهو: الذي يتعرض لأكل اللحم. وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ من أجل هذا ﴿ سَخَّرْنَاهَا أي: ذَلَّلْناها ﴿ لَكُمْ أي: جعلناها مُنقَادةً لكم خَاضِعَة، إن شئتم رَكِبتُم، وإن شِئتُم حَلَبْتُم، وإن شِئتُم ذَبَحْتُم، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

الآية (37): ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه. ﴿ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ أي: من أجل ذلك سَخَّر لكم البُدْن ﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ أي: لتُعظِّموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه، وما يرضاه، ونهاكم عن فِعْل ما يَكرَهُه ويأباه. ﴿ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ في عملهم، القائمين بحدود الله، الْـمُتَّبِعِينَ ما شرَعَ لهم، الـمُصَدِّقِين الرسولَ فيما أبلَغَهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل.

الآية (38): يخبر تعالى أنه يَدْفع عن عباده الذين توكَّلوا عليه وأنابوا إليه شرَّ الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أي: لا يحب من عباده من اتَّصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال. والكفر: الـجَحد لِلنِّعم، فلا يَعتَرِف بها.