حجم الخط:

الآيات (31-38)

الآية (31-35): لَـمَّا استنصر لوط عليه السلام اللهَ عليهم؛ بَعَثَ الله لنُصْرَته ملائكةً فمَرُّوا على إبراهيم عليه السلام في هيئة أضياف، فجاءهم بما يَنْبَغِي لِلضَّيف، فلمَّا رأى أنه لا هِمَّة لهم إلى الطعام نَكِرَهم وأَوْجَسَ منهم خِيفةً، فشَرَعُوا يُؤَانِسُونه ويُبَشِّرُونَه بوجود وَلَدٍ صالح من امرأته سارة -وكانت حاضرةً- فتَعَجَّبَتْ من ذلك.

فلمَّا جاءت إبراهيم البشرى، وأخبروه بأنهم أُرْسِلُوا لهلاك قوم لوط، أَخَذَ يُدَافِع لعلَّهم يُنْظَرون، لعلَّ الله أن يَهدِيَهم، ولَـمَّا قالوا: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ، قال: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تُـمَالِئُهم على كُفْرهم وبَغْيهم. ثم ساروا من عنده فدَخَلُوا على لوط في صورة شَبَاب حِسَان، فلمَّا رآهم كذلك ﴿ سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا أي: اغْتَمَّ بأَمْرِهم، إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يُضِفْهم خَشِيَ عليهم منهم، ولم يَعلَم بأَمْرِهم في الساعة الراهنة ﴿ وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ .

﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وذلك أن جبريل عليه السلام اقْتَلَعَ قُرَاهم من قرار الأرض، ثم رَفَعَها إلى عَنَان السماء، ثم قَلَبَها عليهم.

وأرسلَ الله عليهم ﴿ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴿٨٢ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83]، وجَعَلَ الله مكانها بُحيرةً خبيثةً مُنْتِنةً، وجَعَلَهم عِبرَةً إلى يوم التَّنَاد، وهم من أشدِّ الناس عذابًا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً أي: واضحةً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ؛ كما قال: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات:137-138].

الآية (36-37): يُخْبِر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام أنه أَنْذَر قومه أَهْلَ مَدْيَن، فأَمَرَهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يَخَافوا بأسَ الله ونِقْمَتَه وسَطْوَتَه يوم القيامة، فقال: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ معناه: واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الممتحنة:6].

ثم نهاهم عن العيث في الأرض بالفَسَاد، وهو السَّعي فيها والبَغْي على أهلها؛ وذلك أنهم كانوا يُنْقِصُونَ المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأَهْلَكَهم الله برَجْفَةٍ عظيمة زَلْزَلَتْ عليهم بلادهم، وصَيْحَة أَخْرَجَت القلوب من حَنَاجرها، وعذاب يوم الظُّلَّة الذي أَزْهَقَ الأرواح من مُسْتَقَرِّها، إنه كان عذاب يوم عظيم.

وقوله: ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ قال قتادة: مَيِّتِين. وقال غيره: قد أُلْقِيَ بعضهم على بعض.

الآية (38): يُخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذِّبة للرسل كيف أبادَهم وتَنَوَّعَ في عذابهم، وأَخْذِهِم بالانتقام منهم؛ فعَادٌ قوم هود، وكانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح، وكانوا يسكنون الـحِجْر قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تَعْرِفُ مساكنهما جيدًا، وتَـمُرُّ عليها كثيرًا.