حجم الخط:

الآيات (32-44)

الآية (32-35): يقول تعالى: ومن آياته الدالة على قدرته وسلطانه، تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره، وهي ﴿ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسُّدِّي والضحاك، أي: هذه في البحر كالجبال في البر.

﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ أي: التي تسير بالسُّفُن، لو شاء لسَكَّنَهَا حتى لا تتحرك السفن، بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره، أي: على وجه الماء، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ أي: في الشدائد، ﴿ شَكُورٍ أي: إن في تسخيره البحر وإجرائه [الهواء] بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه ﴿ لِكُلِّ صَبَّارٍ أي: في الشدائد، ﴿ شَكُورٍ في الرخاء.

وقوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا أي: ولو شاء لأَهْلَكَ السُّفُن وغَرَّقَهَا بذنوب أهلها الذين هم راكبون فيها. ﴿ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ أي: من ذنوبهم. ولو أَخَذَهم بجميع ذنوبهم لأَهْلَكَ كلَّ مَن رَكِبَ البحر. وقال بعض علماء التفسير: معنى قوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا أي: لو شاء لأَرْسَلَ الريح قويةً عاتيةً، فأخَذَتْ السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصَرَفَتْها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقةً لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد. وهذا القول يتَضَمَّن هلاكها، وهو مناسب للأوَّل، وهو أنه تعالى لو شاء لسَكَّنَ الريح فوَقَفَتْ، أو لقَوَّاه فشَرَدَت وأبِقَت وهَلَكت. ولكن مِن لُطْفه ورحمته أنه يُرسِلُه بحسب الحاجة؛ كما يُرسِلُ المطر بقدر الكفاية، ولو أَنْزَلَه كثيرًا جدًّا لـهَدَمَ البنيان، أو قليلًا لَـمَا أَنْبَتَ الزرع والثمار، حتى إنه يُرسِل إلى مثل بلاد مِصْرَ سَيْحًا من أرض أخرى غيرها؛ لأنهم لا يحتاجون إلى مَطَر، ولو أَنْزَل عليهم لـهَدَم بنيانهم، وأسقط جدرانهم.

وقوله: ﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: لا مَحِيدَ لهم عن بأسِنا ونِقْمَتِنا؛ فإنهم مقهورون بقدرتنا.

الآية (36-39): يقول تعالى مُحَقِّرًا لشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني، بقوله: ﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أي: وثواب الله خير من الدنيا، وهو باق سرمدي، فلا تُقَدِّموا الفاني على الباقي؛ ولهذا قال: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: للذين صبروا على ترك الملاذّ في الدنيا، ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: ليُعِينَهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات.

ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وقد قدَّمْنا الكلام على الإثم والفواحش في «سورة الأعراف»[1]، ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ أي: سَجِيَّتُهم تقتضي الصَّفح والعفو عن الناس، ليس سَجِيَّتُهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله [رواه البخاري].

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ أي: اتَّبَعوا رُسُله وأطاعوا أَمْرَه، واجتنبوا زَجْرَه، ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وهي أَعْظَم العبادات لله عز وجل ، ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ أي: لا يُبْرِمُون أمرًا حتى يَتَشَاوروا فيه، ليَتَسَاعَدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159]، ولهذا كان -عليه الصلاة السلام- يُشَاوِرُهم في الحروب ونحوها لِيُطَيِّبَ بذلك قلوبهم. ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ، وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب.

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ أي: فيهم قوة الانتصار ممَّن ظَلَمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أَذلَّة، بل يقدرون على الانتقام ممَّن بَغَى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عَفَوا، كما عفا رسول الله عن أولئك النَّفَر الثمانين الذين قَصَدُوه عام الحديبية، ونَزَلُوا من جبل التَّنْعِيمِ، فلمَّا قَدَرَ عليهم مَنَّ عليهم مع قدرته على الانتقام.

الآية (40-43): ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، فشَرَعَ العَدْل وهو القصاص، ونَدَبَ إلى الفَضْل وهو العفو؛ كقوله: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي: لا يَضِيعُ ذلك عند الله كما صَحَّ في الحديث: «وما زاد الله عبدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي: المعتدين، وهو الـمُبْتَدِئُ بالسيئة.

ثم قال: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممَّن ظَلَمهم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ أي: إنما الـحَرَجُ والعَنَتُ ﴿ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: يَبْدَؤُون الناس بالظُّلْم؛ كما جاء في الحديث: «الـمُسْتَبَّان: ما قالا فعلى البادئ، ما لم يَعْتَدِ المظلوم» [رواه مسلم]. ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: شديد موجِع.

ثم إنه تعالى لَـمَّا ذَمَّ الظلم وأهله وشَرَع القصاص، قال نادبًا إلى العفو والصَّفح: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ أي: صَبَرَ على الأذى وسَتَرَ السيئةَ، ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ قال سعيد بن جبير: يعني: لمن حقّ الأمور التي أَمَرَ الله بها، أي: لمن الأمورِ المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل. عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي جالس، فجعل النبي يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان». ثم قال: «يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق، ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة» [رواه أحمد، وجود إسناده الألباني].

الآية (44): يقول تعالى مُخْبرًا عن نفسه الكريمة: إنه ما شاء كان ولا رادَّ له، وما لم يشأ لم يكن فلا مُوجِد له، وأنه مَن هداه فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلل فلا هادي له؛ كما قال: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]. ثم قال عز وجل مُخْبِرًا عن الظالمين، وهم المشركون بالله ﴿ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أي: يوم القيامة تَـمَنَّوا الرَّجْعَة إلى الدنيا، ﴿ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ .