حجم الخط:

الآيات (33-41)

الآية (33-35): يقول تعالى مخبرًا عن الناس أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره. قوله: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك. ثم توَعَّدهم بقوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال بعضهم: والله لو توَعَّدني حارس دَرْبٍ لَخِفْتُ منه، فكيف والمتوعّد ههنا الذي يقول للشيء: «كن»، فيكون! ثم قال تعالى منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة الأوثان بلا دليل ولا حجة ولا برهان: ﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا أي: حجة، ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ أي: ينطق: ﴿ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ؟! وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن لهم شيء من ذلك.

الآية (36 -37): قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا مَنْ عَصَمه الله ووفقه؛ فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بَطِرَ وقال: ﴿ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود:10]، أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قَنِطَ وأَيِسَ أن يحصل له بعد ذلك خير بالكُلّية! قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:11]، أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: «عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سرّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبَر فكان خيرًا له» [رواه مسلم]. قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيّق على آخرين، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .

الآية (38): يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي ﴿ الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ أي: من البر والصلة ﴿ وَالْمِسْكِينَ وهو: الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره. ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي: النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: في الدنيا وفي الآخرة.

الآية (39): قوله: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله -بهذا فسَّره ابن عباس- وهذا الصنيع مباح، وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نُهٍيَ عنه رسولُ الله خاصة. قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] أي: لا تُعطِ العطاء تريد أكثر منه. وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح، يعني: ربا البيع. وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ . وإنما الثواب عند الله في الزكاة.

ولهذا قال: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما جاء في الصحيح: «وما تصدَّق أحد بعدل تمرة من كسبٍ طيّب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيُربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيلَهُ، حتى تصير التمرة أعظم مِن أُحُد» [متفق عليه].

الآية (40): قوله عز وجل: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ أي: هو الخالق الرازق، يُخرج الإنسانَ من بطن أمه عريانًا، لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قُوَى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب. ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي: يوم القيامة. قوله: ﴿ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ أي: الذين تعبدونهم من دون الله ﴿ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَٰلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة؛ ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تعالى وتقدَّس وتنزَّه وتعاظم وجلّ وعَزّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مُساوٍ، أو ولد أو والد.

الآية (41): قال ابن عباس: المراد بالبر: الفيافي، وبالبحر: الأمصار والقرى. وقال آخرون: بل المراد بالبر: هو البر المعروف، وبالبحر: البحر المعروف. وقال زيد بن رُفَيع: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه. وعن مجاهد قال: فساد البر: قتل ابن آدم، وفساد البحر: أخذ السفينة غصبًا. وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر: ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر: جزائره. والقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق: أن رسول الله صَالَح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني: ببلده. ومعنى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي: بان النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي. وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة؛ ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركاتك. فيأكل من الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحْفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس. وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة رسول الله ، فكلما أُقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح: «إن الفاجر إذا مات تستريح العباد والبلاد، والشجر والدواب» [متفق عليه]. قوله: ﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختبارًا منه، ومجازاة على صنيعهم، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: عن المعاصي؛ كما قال تعالى: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168].