الآية(33-34): ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ أي بحجة وشبهة ﴿ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ أي: ولا يقولون قولًا يُعارضون به الحقَّ، إلا أَجَبْنَاهم بما هو الحقُّ في نفس الأمر وأبيَنُ وأوضحُ وأفصحُ من مقالتهم. قال ابن عباس: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ أي: بما يلتمسون به عَيبَ القرآن والرسول، ﴿ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ أي: إلا نَزَل جبريل مِنَ الله بجوابهم. ثم في هذا اعتناء كبير لشرف الرسول ﷺ؛ حيث كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحًا ومساءً، ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، فكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب ممَّا قبله من الكتب المتقدِّمة، فهذا المقام أعلى وأجلُّ، وأعظم من سائر إخوانه من الأنبياء ﷺ. فالقرآن أشرف كتاب أَنزَلَه الله، ومحمد ﷺ أعظم نبي أرسله الله، وقد جَمَع الله تعالى للقرآن الصفتين معًا: ففي الملأ الأعلى أنزِل جملةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة في سماء الدنيا، ثم نَزَل بعد ذلك إلى الأرض مُنَجَّمًا بحسب الوقائع والحوادث.
ثم قال تعالى مخبرًا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم، في أسوأ الحالات وأقبح الصفات: ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾. وعن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يُحشَر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يُمشيَه على وجهه يوم القيامة» [متفق عليه].
الآية (35-40): يقول تعالى مُتَوَعِّدًا من كَذَّب رسولَه محمدًا ﷺ من مشركي قومه ومن خالفه، ومُحَذِّرَهُم من عقابه وأليم عذابه، ممَّا أحَلَّه بالأمم الماضية المكذِّبين لرسله، فبَدَأ بذكر موسى عليه السلام، وأنه ابْتَعَثَهُ وجَعَلَ معه أخاه هارون وزيرًا، أي: نبيًّا مُؤَازِرًا ومؤيِّدًا وناصرًا، فكذَّبَهما فرعون وجنوده، فدمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها. وكذلك فَعَل بقوم نوح حين كَذَّبوا رسوله نوحًا عليه السلام، ومن كَذَّب برسولٍ فقد كَذَّب بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فُرِضَ أن الله بَعَثَ إليهم كلَّ رسول فإنهم كانوا يُكذِّبُونه؛ ولهذا قال: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾ ولم يُبْعَثْ إليهم إلا نوح فقط، وقد لَبِث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يَدعُوهم إلى الله، ويحذِّرهم نِقَمَه، فما آمن معه إلا قليل. ولهذا أَغْرَقَهُم الله جميعًا، ولم يَبْقَ منهم أحد، ولم يَبْقَ على وجه الأرض من بني آدم سوى أصحاب السفينة فقط. ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾ أي: عِبرَة يعتبرون بها؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة:11-12] أي: وأبقينا لكم من السُّفُن ما تركبون في لُـجَج البحار، لتَذكروا نعمةَ الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجَعْلكم من ذرّية مَن آمن به وصَدّق أَمْرَه.
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ ﴾ قد تقدم الكلام على قصّتيهما في غير ما سورة.
وأما أصحاب الرَّسِّ؛ فقال ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود. وقال عكرمة: أصحاب الرَّسِّ بفَلَج، وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فَلَج من قرى اليمامة. وقال عكرمة عن ابن عباس: ﴿ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ﴾ قال: بئر بأذربيجان. وقال عكرمة: الرَّسُّ بئر رَسُّوا فيها نبيهم. أي: دَفَنُوه فيها. واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرَّسِّ هم أصحاب الأخدود، الذين ذُكِروا في سورة البروج، فالله أعلم. وقوله: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا ﴾ أي: وَأُمَمًا -بَيْنَ أَضْعَافِ مَنْ ذُكر- أَهْلَكْنَاهُمْ كَثِيرَةً.
ولهذا قال: ﴿ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ﴾ أي: بيَّنَّا لهم الـحُجَج، ووضَّحنا لهم الأدلة؛ كما قال قتادة: أَزَحْنا عنهم الأعذار.
﴿ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾ أي: أهلكنا إهلاكًا؛ كقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ﴾ [الإسراء:17]. والقَرْن: هو الأمة من الناس؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [المؤمنون:31]. وحَدَّهُ بعضُهم بمائة وعشرين سنة، وقيل: بمائة سنة. وقيل: بثمانين سنة. وقيل: أربعين. وقيل غير ذلك. والأظهر: أن القَرْن هم الأمة الـمُتَعَاصِرُون في الزمن الواحد؛ فإذا ذَهَبُوا وخَلَفَهُم جيل آخر فهم قرن ثانٍ، كما ثَبَتَ في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونَهُمْ، ثم الذين يَلُونَهُمْ» الحديث.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ يعني: قوم لوط، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلَكَها الله بالقَلْب، وبالمطر من الحجارة التي من سجيل؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﱠ [الحجر: 76] ولهذا قال: ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ﴾، أي: فيعتبروا بما حَلَّ بأهلها من العذاب والنَّكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم أوامر الله.
وقوله: ﴿ بَلْ كَانُوا ﴾ يعني: الـمَارِّين بها من الكفار لا يعتبرون؛ لأنهم ﴿ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾، أي: معادًا يوم القيامة.
الآية (41-43): يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول ﷺ إذا رأوه، يَعْنُونَهُ بالعيب والنَّقْص ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾؟! أي: على سبيل التَّنَقُّص والازدراء -قبَّحهم الله- كما قال: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ [الرعد:32].
وقوله: ﴿ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ يعنون: أنه كاد يَثنِيهم عن عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلَّدوا واستمرُّوا على عبادتها. قال تعالى مُتَوَعِّدًا لهم ومتهدِّدًا: ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾. ثم قال تعالى لِنَبيِّه، منبِّهًا له أن من كَتَب الله عليه الشقاوةَ والضلالَ، فإنه لا يهديه أحد إلا الله: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه، كان دينَه ومذهبَه. ولهذا قال ههنا: ﴿ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يَعبُد الـحَجَر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسنَ منه عبدَ الثاني، وتَرَكَ الأوَّل.