حجم الخط:

الآيات (34-47)

الآية (34-35): ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا أي: أغلاقًا على أبوابهم.

﴿ وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ أي: جميع ذلك يكون فضة.

﴿ وَزُخْرُفًا أي: وذَهَبًا قاله ابن عباس وقتادة والسُّدِّي وابن زيد. ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: إنَّما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى؛ أي: يُعَجِّلُ لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب، ليُوَافُوا الآخرة وليس لهم عند الله حسنة يَجْزِيهم بها، كما وَرَد به الحديث الصحيح[1]. ثم قال سبحانه: ﴿ وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ أي: هي لهم خاصَّةً لا يشاركهم فيها أحد غيرهم. وفي الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحَافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». وإنما خوَّلهم الله تعالى في الدنيا لحقارتها؛ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله : «لو كانت الدنيا تَزِنُ عند الله جناح بعوضة، ما سَقَى منها كافرًا شَرْبَةَ ماء أبدًا» [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني].

الآية (36-45): يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ أي: يَتَعَامى ويَتَغَافَل ويُعْرِض، ﴿ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ والعَشَا في العين: ضَعْف بصرها. والمراد ههنا: عَشَا البصيرة. ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ كقوله: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، وكقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، وكقوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25]. ولهذا قال ههنا: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ .

﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نُقَيِّض له من الشياطين من يُضِلُّه، ويهديه إلى صراط الجحيم، فإذا وافى الله يوم القيامة يَتَبَرَّم بالشيطان الذي وُكِّلَ به: ﴿ قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ أي: فبئسَ القرين كنتَ لي في الدنيا. وقَرَأَ بعضهم: «حتى إذا جاءانا» يعني: القَرِين والـمُقَارِن. والمراد بالمشرقين هنا هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل ههنا تغليبًا، كما يُقال: القمران، والعمران، والأبوان. قاله ابن جرير وغيره.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أي: لا يُغْنِي عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله: ﴿ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويُضِلُّ من يشاء، وهو الحكم العَدْل في ذلك. ثم قال: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أي: لا بدَّ أن نَنْتَقِم منهم ونُعَاقِبَهُم، ولو ذَهَبْتَ أنت، ﴿ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يَقْبِضِ الله رسوله حتى أَقَرَّ عينه من أعدائه، وحَكَّمَه في نواصيهم، ومَلَّكَهُ ما تَضَمَّنَتْهُ صَيَاصِيهم. هذا معنى قول السُّدِّي، واختاره ابن جرير. وتلا قتادة: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ فقال: ذهب النبي وبقيت النقمة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: خُذْ بالقرآن الـمُنَزَّل على قلبك؛ فإنه هو الحقُّ، وما يَهدِي إليه هو الحقُّ الـمُفْضِي إلى صراط الله المستقيم، الـمُوصِل إلى جَنَّات النعيم، والخير الدائم الـمُقِيم.

ثم قال : ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ قيل: معناه: لَشَرَف لك ولقومك؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسُّدِّي وابن زيد. واختاره ابن جرير، ولم يَحْكِ سواه. وعن معاوية قال: سمعتُ رسول الله يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يُنَازِعُهُم فيه أحدٌ إلا أَكَبَّهُ الله على وجهه ما أقاموا الدين» [رواه البخاري]. وقيل: معناه: أنه شَرَف لهم من حيث إنه أُنْزِل بَلُغَتِهم، فهم أَفْهَم الناس له، فينبغي أن يكونوا أَقْوَمَ الناس به وأَعْمَلَهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصَفْوتُهم من الـخُلَّص من المهاجرين السابقين الأوَّلين، ومن شابههم وتابعهم.

وقيل: معناه: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10]، وكقوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214].

﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ أي: عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له. وقوله: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ! أي: جميع الرُّسل دعوا إلى ما دعوتَ الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونَهَوا عن عبادة الأصنام والأنداد؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

الآية (46-47): يقول تعالى مُخْبِرًا عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه ابْتَعَثَهُ إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة، والأتباع والرعايا، من القِبْط وبني إسرائيل، يَدعُوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بَعَثَ معه آيات عظامًا، كَيَدِهِ وعَصَاه، وما أَرْسَلَ معه من الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدَّم، ومن نَقْص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كُلِّه استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكَذَّبوها وسَخِروا منها، وضَحِكوا ممَّن جاءهم بها.