الآية (35): ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ونَعْتُها ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجرونها تفجيرًا، أي: يُصرّفونها كيف شاؤوا وأين شاؤوا، كقوله: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ الآية [محمد:15].
وقوله: ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ أي: فيها المطاعم والفواكه والمشارب، لا انقطاع ولا فناء. عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوّطون ولا يبولون، طعامهم جُشَاء كريح المسك، ويُلهَمون التسبيح والتقديس كما تُلهَمون النَّفَس» [رواه مسلم]. وقد قال تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿٣٢﴾ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾ [الواقعة:32-33]، وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى: ﱡﭐ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﱠ [النساء: 57]. وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار، ليُرَغّب في الجنة ويحذّر من النار؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر، قال بعده: ﴿ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر:20].
الآية (36): ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ وهم قائمون بمقتضاه ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ أي: من القرآن؛ لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به. قوله: ﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ أي: ومن الطوائف من يكذّب ببعض ما أُنزل إليك. وقال مجاهد: اليهود والنصارى، من ينكر بعض ما جاءك من الحق. وهذا كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران:199]. قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ أي: إنما بُعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أُرسل الأنبياء من قبلي. ﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾ أي: إلى سبيله أدعو الناس، ﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾ أي: مرجعي ومصيري.
الآية (37): ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن مُحكمًا مُعربًا، شرّفناك به وفضّلناك على مَن سِواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت:11]. قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: آراءهم ﴿ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ أي: من الله تعالى ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾ وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
الآية (38): يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًا كذلك بعثنا المرسلين قبلك بَشَرًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية، وقد قال الله تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ [الكهف:110]، وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل الدّسَم، وأتزوج النساء» [أصل الحديث متفق عليه، ولكن بألفاظ مغايرة، وليس فيه: (وآكل الدسم)]. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي: لم يكن يأتي قومَه بخارق إلا إذا أُذِنَ له فيه، ليس ذلك إليه، بل إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ أي: لكل مُدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار. وكان الضحاك يقول: يعني: لكل كتاب أنزله من السماء مُدَّةٌ مضروبةٌ عند الله ومقدارٌ معينٌ، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني: حتى نُسِخَتْ كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
الآية (39-40): ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ اختُلف في ذلك، فقال ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت. وقال مجاهد: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.
عن أبي عثمان النهدي؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويُثْبِتُ منها ما يشاء. وقال الحسن: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ من جاء أجله فَذَهبَ، ﴿ وَيُثْبِتُ ﴾ الذي هو حيّ يجري إلى أجله. وقد اختار هذا القول ابن جريررحمه الله- وقوله: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ قال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله. وقال الضحاك: كتاب عند رب العالمين. وقال ابن عباس: الذكر.
يقول تعالى لرسوله: ﴿ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ ﴾ يا محمد بعض الذي نَعِدُ أعداءك من الخزي والنَّكال في الدنيا، ﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ أي: قبل ذلك ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾ أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أُمِرْتَ به ﴿ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ أي: حسابهم وجزاؤهم.
الآية (41): ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ قال ابن عباس: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟! وقال عِكْرِمة: ﴿ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت فقهائها وعلمائها وأهل الخير منها. والقول الأول أولى؛ وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية كما قال تعالى: ﱡﭐ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَىٰ ﱠ [الأحقاف: 27]، وهذا اختيار ابن جرير.
الآية (42): يقول: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، ﴿ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ﴾ فمكرَ الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال:30]. وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أي: إنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله. ﴿ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ أي: لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل! كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.