حجم الخط:

الآيات (35-42)

الآية (35-37): يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الشرك واعتذارهم محتجِّين بالقَدَر، في قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أي: من البَحَائر والسَّوَائِبِ والوَصَائِلِ وغير ذلك ممَّا كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، ما لم يُنزِّل الله به سلطانًا.

ومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارهًا لِـمَا فعلنا لأَنكرَهُ علينا بالعقوبة ولَـمَا مَكَّننا منه. قال الله رادًّا عليهم شُبهَتَهم: ﴿ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ؟ أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يُعَيِّرْهُ عليكم ولم يُنْكِرْهُ، بل قد أَنكَرَه عليكم أشدَّ الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبَعَث ﴿ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ؛ أي: في كل قَرن من الناس وطائفة رسولًا، وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ، فلَمْ يَزَلْ تعالى يُرسِل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حَدَثَ الشرك في بني آدم، في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بَعَثه الله إلى أهل الأرض إلى أن خَتَمَهم بمحمد الذي طَبَّقَتْ دَعْوَتُهُ الإنس والجنَّ في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ، فكيف يَسُوْغُ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ؟! فمشيئته تعالى الشرعية مُنْتَفِيَة؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدَرًا، فلا حُجَّة لهم فيها؛ لأنه تعالى خَلَق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.

ثم إنه تعالى قد أخبَر أنه عَيَّرَ عليهم، وأَنْكَرَ عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي: اسألوا عمَّا كان مِن أَمْر مَن خالف الرسل وكذَّب الحق كيف ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10]، ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الملك:18]. ثم أَخبَر الله تعالى رسوله أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة:41]، وقال نوح لقومه: ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف:186].

فقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ أي: شأنُه وأمرُه أنه ما شاء كان وما لم يَشَأْ لم يكن؛ فلهذا قال: ﴿ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ أي: من أضلَّه، فمن الذي يهديه من بعد الله؟! أي: لا أحد، ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي: يُنْقِذُونَهُم من عذابه ووَثَاقِه، ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

الآية (38-40): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا ﴿ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ أي: اجتهدوا في الحلف وغلّظوا الأيمان على أنه ﴿ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ أي: استبعدوا ذلك، فكذَّبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه. فقال تعالى مكذِّبًا لهم ورادًّا عليهم: ﴿ بَلَىٰ أي: بلى سيكون ذلك ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا أي: لا بد منه، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أي: فَلِجَهْلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر. ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي: للناس ﴿ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أي: من كل شيء، ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ أي: في أَيْمَانهم وأَقسَامهم: لا يَبْعَثُ الله من يَمُوت؛ ولهذا يُدَعُّون يوم القيامة إلى نار جهنم دَعًّا، وتقول لهم الزبانية: ﴿ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14]. ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كُنْ»، فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنَّما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء. ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: أن يأمر به دُفْعَةً واحدةً فإذا هو كائن، أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به؛ فإنه تعالى لا يُـمَانَعُ ولا يُخَالَفُ، لأنه الواحد القهار العظيم، الذي قَهَر سلطانُه وجبروتُه وعِزَّتُه كلَّ شيء، فلا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.

الآية (41-42): يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاءَ مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخِلَّان، رجاءَ ثواب الله وجزائه. ويُحتَمَل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مُهَاجرة الحبشة الذين اشتدَّ أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أَظهُرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكَّنوا من عبادة ربهم. وقد فعل فوَعَدَهم تعالى بِالـمُجَازَاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً قال ابن عباس: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد. ولا منافاة بين القولين؛ فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا؛ فإن من ترك شيئًا لله عَوَّضَه الله بما هو خير له منه، وكذلك وَقَع؛ فإنهم مكَّن الله لهم في البلاد وحَكَّمَهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكامًا، وكلٌّ منهم للمتقين إمامًا، وأَخبَرَ أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم ممَّا أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: ممَّا أعطيناهم في الدنيا ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: لو كان الـمُتَخَلِّفُون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادَّخر الله لمن أطاعه واتَّبع رسوله.

ثم وصفهم تعالى فقال: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: صبروا على أذى من آذاهم من قومهم، متوكِّلين على الله الذي أحسنَ لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.