حجم الخط:

الآيات (36-43)

الآية (36-37): يُخبر تعالى عن مَجِيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعَرْضِه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة، على صِدْقِهما فيما أخبرا به عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره. فلمَّا عاين فرعون ومَلَؤُه ذلك وشاهدوه وتحقَّقوه، وأَيقَنُوا أنه من الله، عَدَلُوا بكفرهم وبَغْيهم إلى العناد والمباهتة؛ وذلك لطغيانهم وتكبُّرهم عن اتباع الحقِّ، فقالوا: ﴿ مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى أي: مُفْتَعَل مصنوع. وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، فما صَعِدَ معهم ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون: عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون: ما رأينا أحدًا من آبائنا على هذا الدين، ولم نَرَ الناس إلا يُشرِكُون مع الله آلهةً أخرى.

فقال موسى عليه السلام مجيبًا لهم: ﴿ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِنْدِهِ يعني: مني ومنكم، وسيَفْصِل بيني وبينكم. ولهذا قال: ﴿ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ أي: النُّصْرَةُ والظَّفَر والتأييد؛ ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي: المشركون بالله عز وجل.

الآية (38-42): يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله- قال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54]، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقِلَّة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ، وقال تعالى إخبارًا عنه: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ﴿٢٣ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴿٢٤ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ ﴿٢٥ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ [النازعات:23- 26] يعني: أنه جَمَع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحًا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين. ولهذا انتَقَمَ الله تعالى منه، فجَعَلَه عبرةً لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجَه موسى الكليم بذلك فقال: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29].

وقوله: ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ أي: أَمَرَ وزيره هامان ومُدَبِّرَ رعيته ومشير دولته أن يُوقِد له على الطِّين، ليَتَّخِذَ له آجُرًّا لبناء الصَّرْح، وهو القَصْر الـمُنِيف الرفيع؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر:36-37].

وذلك لأن فرعون بنى هذا الصَّرْح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يُظهِرَ لرعيته تكذيب موسى فيما زَعَمَه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ أي: في قوله: إنَّ ثَمَّ ربًّا غيري، لا أنه كَذَّبَه في أن الله أَرسَلَه؛ لأنه لم يكن يَعتَرِف بوجود الصانع؛ فإنه قال: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]، وقال: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي وهذا قول ابن جرير.

وقوله: ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ أي: طَغَوا وتَجَبَّروا، وأَكثَرُوا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا مَعَادَ ولا قِيَامَة، ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:13-14]، ولهذا قال ههنا: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ أي: أَغْرَقْنَاهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يَبْقَ منهم أحد.

﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي: لمن سَلَك وراءهم وأَخَذَ بطريقتهم في تكذيب الرُّسُل وتعطيل الصانع.

﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ أي: فاجتمع عليهم خِزْي الدنيا موصولًا بِذُلِّ الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13]. وقوله: ﴿ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً أي: وشَرَعَ الله لعنتهم ولعنةَ مَلِكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده الـمُتَّبِعِين رُسُلَه، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم، كذلك يوم القيامة هم من المقبوحين.

قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:99].

الآية (43): يخبر تعالى عمَّا أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربِّه أفضل الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعد ما أَهْلَكَ فرعون وملأه.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يُعَذِّبْ أُمَّةً بِعَامَّة، بل أَمَرَ المؤمنين أن يُقَاتِلوا أعداء الله من المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴿٩ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [الحاقة:9، 10].

وقوله: ﴿ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ أي: من العَمَى والغَيّ، ﴿ وَهُدًى إلى الحق، ﴿ وَرَحْمَةً أي: إرشادًا إلى الأعمال الصالحة؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: لعلَّ الناس يتذكَّرون به، ويهتدون بسببه.