الآية (36): [سبب النزول]: عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبًا، فأنزل عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ﴾ الآية كلها. وهذه الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65]؛ ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾؛ كقوله تعالى: ﱡﭐ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﱠ [النور:63].
الآية (37): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه أنه قال لمولاه زيد بن حارثة وهو الذي ﴿ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ أي: بالإسلام، ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ أي: بالعتق من الرق، وكان رسول الله ﷺ قد زوّجه بابنة عمته زينب بنت جحش، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله يقول له: «أمسك عليك زوجك، واتق الله» قال الله تعالى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾. عن أنس قال: إن هذه الآية: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة رضي الله عنهما [رواه البخاري]. ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرَغ منها وفارقها، زَوّجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله عز وجل. ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ أي: إنما أبَحْنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء؛ وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنَّى زيد بن حارثة، فكان يقال له: «زيد بن محمد»، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب:4-5] زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب لما طلقها زيد؛ ولهذا قال في آية التحريم: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ [النساء:23] ليحترز من الابن الدَّعِي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم. ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدّره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.
الآية (38): ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ﴾ أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دَعِيُّه زيد بن حارثة. قوله: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله؛ لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج. ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا مَعدِل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
الآية (39): يمدح تعالى ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها ﴿ وَيَخْشَوْنَهُ ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه، فلا تمنعهم سَطوةُ أحد عن إبلاغ رسالات الله ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا. وسيد الناس في هذا المقام -بل وفي كل مقام- محمد رسول الله ﷺ، ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كُل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون.
الآية (40): ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ نهى تعالى أن يقال بعد هذا: زيد بن محمد. أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه؛ فإنه صلوات الله عليه وسلامه لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم. قوله: ﴿ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ كقوله: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام:124]، فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة». انفرد بإخراجه مسلم.
الآية (41-42): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: «ذكر الله عز وجل » [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألياني]. وقال ابن عباس: إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ [النساء:103]، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال. ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ أي: عند الصباح والمساء؛ كقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم:17].
الآية (43): ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ ﴾ هذا تهييج إلى الذكر؛ أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم؛ كقوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة:152]. والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية. وقال غيره: الصلاة من الله: الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار. ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ أي: بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين. ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جَهله غيرهم، وبَصّرهم الطريق الذي ضَل عنه وحاد عنه مَن سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام. وأما رحمته بهم في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.