حجم الخط:

الآيات (36-44)

الآية (36): وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويَعِيه ويفهمه، كقوله: ﴿ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70]. وقوله: ﴿ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني: بذلك الكفار؛ لأنهم موتى القلوب، فشبَّههم الله بأموات الأجساد فقال: ﴿ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وهذا من باب التَّهَكُّم بهم، والإزراء عليهم.

الآية (37-39): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين أنهم كانوا يقولون: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي: خارقٌ على مُقتَضى ما كانوا يُريدون، وممَّا يَتَعنَّتون، كما قالوا: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا الآيات [الإسراء:90-93]. ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي: هو تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها وَفْقَ ما طلبوا ثم لم يُؤمنوا، لعاجَلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4].

وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ قال مجاهد: أي أصناف مُصَنَّفة تُعرَف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. وقوله: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ أي: الجميع عِلْمُهم عند الله، ولا ينسى واحدًا من جميعها من رِزْقه وتدبيره، سواء كان بريًّا أو بحريًّا؛ كما قال: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] أي: مُفصح بأسمائها وأعدادها ومظانّها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت:60].

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ عن ابن عباس قال: حَشْرُها الموتُ. وكذا رواه ابن جرير، والقول الثاني: إن حَشْرها هو بعثها يوم القيامة؛ لقوله: ﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]. وعن أبي هريرة قال: يُحشَر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ مِن عَدْل الله يومئذٍ أن يأخذ للجمَّاء مِن القَرْناء. قال: ثم يقول: كوني ترابًا. فلذلك يقول الكافر: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ:40] [رواه عبد الرزاق، وصحح إسناده أحمد شاكر].

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ أي: مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصَمّ -وهو الذي لا يسمع- أبكَم -وهو الذي لا يتكلم- وهو مع هذا في ظلام لا يُبصِر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه؟! كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة:17-18]، وكما قال تعالى: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: هو المتصرف في خلقه بما يشاء.

الآية (40-41): يُخبر تعالى أنه الفعال لِـما يريد، المتصرِّف في خلقه بما يشاء، وأنه لا مُعقِّب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سُئل يُجيب لمن يشاء؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أي: أتاكم هذا أو هذا، ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ أي: لا تدعون غيره لعِلمِكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: في اتخاذكم آلهة معه، ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحدًا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم؛ كما قال: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ الآية [الإسراء:67].

الآية (42-43): وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ يعني: الفقر والضيق في العيش، ﴿ وَالضَّرَّاءِ وهي الأمراض والأسقام والآلام؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي: يدعون الله ويتضرَّعون إليه ويخشعون، قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرَّعوا إلينا وتمسكنوا لدينا، ﴿ وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي: ما رَقَّتْ ولا خَشَعَتْ، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: من الشرك والمعاصي.

الآية (44): ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذًا بالله من مَكْرِه؛ ولهذا قال: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أي: من الأموال والأولاد والأرزاق ﴿ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً أي: على غفلة ﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ أي: آيسون من كل خير. قال ابن عباس: الْـمُبْلِسُ: الآيِس. قال الحسن البصري: من وَسَّعَ الله عليه فلم يَرَ أنه يُمْكَر به، فلا رأي له. ومن قَتَر عليه فلم يَرَ أنه يُنظَر له، فلا رأي له، ثم قرأ: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ قال الحسن: مُكِرَ بالقوم وربّ الكعبة؛ أُعطُوا حاجتهم ثم أُخِذُوا. وقال قتادة: بَغَتَ القومَ أمرُ الله، وما أَخَذَ الله قومًا قطُّ إلا عند سَكرَتهم وغِرَّتهم ونعيمهم، فلا تَغْتَرُّوا بِاللهِ؛ إنه لا يَغْتَرُّ بِاللهِ إلا القوم الفاسقون. وعن عقبة بن عامر، عن النبي قال: «إذا رأيت الله يُعْطِي العبدَ من الدنيا على مَعاصيه ما يُحِبُّ، فإنما هو اسْتِدْرَاج» ثم تلَا رسول الله : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [رواه أحمد، وصححه الألباني].