الآية (36-40): يقول تعالى: وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذِّبين ﴿ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ﴾ كانوا أكثر منهم وأشد قوةً، ﴿ وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ﴾ [الروم:9]؛ ولهذا قال: ﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ﴾ قال ابن عباس: أَثَّرُوا فيها. وقال مجاهد: ضَرَبوا في الأرض. وقال قتادة: فساروا في البلاد، أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر ممَّا طُفْتُم أنتم فيها. ﴿ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ أي: هل من مَفَرٍّ كان لهم من قضاء الله وقدره؟! وهل نفعهم ما جَمَعُوه وَرَدَّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لَـمَّا كذَّبوا الرُّسُل؟! فأنتم أيضًا لا مَفَرَّ لكم ولا مَحِيدَ ولا مَنَاصَ ولا محيص. وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ ﴾ أي: لعبرة ﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ أي: لُبٌّ يَعِي به. وقال مجاهد: عَقْل. ﴿ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أي: استمع الكلام فوَعَاه، وتَعَقَّلَه بقلبه وتفهَّمه بِلُبِّهِ. وقال مجاهد: يعني: لا يحدث نفسه في هذا بغيره ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ وَقَالَ: شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ. وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد. ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ فيه تقرير المعاد؛ لأن من قَدَر على خلق السموات والأرض -﴿ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ [الأحقاف:33]- قادر على أن يُحْيِيَ الموتى بطريق الأولى والأحرى. [سبب النزول]: قال قتادة: قالت اليهود -عليهم لعائن الله-: خَلَق الله السموات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأَنزَل الله تكذيبهم: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ أي: من إعياء ولا نَصَب ولا تَعَب. ﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ أي: المكذبين، اصبر عليهم ﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل:10]، ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ وعلى أمته حَوْلًا، ثم نُسِخَ في حَقِّ الأمة وجوبه. ثم بَعْدَ ذلك نَسَخَ الله ذلك كلَّه ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ أي: فَصَلِّ له ﴿ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ قال ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة. والقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ هما الركعتان بعد المغرب، رُوِيَ ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنَّخَعِي والحسن وقتادة وغيرهم.
الآية (41-45): ﴿ وَاسْتَمِعْ ﴾ يا محمد ﴿ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار: يأمر الله تعالى مَلَكًا أن يُنادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمرُكُنَّ أن تَجْتَمِعْن لفَصْل القضاء. ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ﴾ يعني: النفخة في الصور التي تأتي بالحقِّ الذي كان أكثرهم فيه يمترون. ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾ أي: من الأجداث ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴾ أي: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم:27]، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيُجَازِي كلًّا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ﴾ ذلك أن الله تعالى يُنْزِلُ مطرًا من السماء تَنْبُتُ به أجساد الخلائق في قبورها، كما يَنْبُتُ الحبُّ في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أَمَرَ الله إسرافيل فيَنْفُخَ في الصور، وقد أُوْدِعَت الأرواح في ثُقْب في الصور، فإذا نَفَخَ إسرافيل فيه خَرَجَت الأرواح تَتَوَهَّج بين السماء والأرض، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي، لتَرْجِعَنَّ كلُّ روح إلى الجسد الذي كانت تَعْمُرُه، فتَرْجِع كل رُوْح إلى جسدها، فتَدُبُّ فيه كما يَدُبُّ السُّمُّ في اللديغ وتَنْشَقُّ الأرض عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعًا، مبادرين إلى أمر الله عز وجل ، ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ [القمر:8]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:52].
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ أي: تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر:50]. وقوله: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ أي: نحن عِلْمُنَا مُحِيطٌ بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يَهِيدَنَكَّ ذلك. ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ أي: ولستَ بالذي تُجْبِرُ هؤلاء على الهدى، وليس ذلك ما كُلِّفْتَ به. ثم قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ أي: بَلِّغْ أنت رسالة ربك، فإنما يَتَذَكَّر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده. وكان قتادة يقول: اللهم، اجعلنا ممَّن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بَارُّ يا رحيم.