حجم الخط:

الآيات (37-40)

الآية (37): هذا ممَّا ذمَّ الله تعالى به المشركين من تصرُّفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرَّم الله وتحريمهم ما أحلَّ الله؛ فإنهم كان فيهم من القوة الغضَبِية والشهامة والحميَّة ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدَثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخَّرُوه إلى صفر، فَيُحِلُّون الشهر الحرام، ويحرِّمون الشهر الحلال ﴿ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ الأشهر الأربعة. قال ابن عباس في قوله: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ : النسيء أنَّ جُنادَة بن عوف بن أُميّة الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يٌكنّى «أبا ثُمَامة»، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحابِ[1] ولا يُعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال. فيُحِلُّه للناس، فيُحَرِّم صفرًا عامًا، ويُحرِّم المحرَّم عامًا، فذلك قول الله: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ، يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرِّمونه؛ فإنهم لَـمَّا كانوا يُحلِّون شهر المحرم عامًا يُحرِّمون عِوَضه صَفَر، وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعِدَّتها وأسماء شهورها، ثم في العام القابل يحرِّمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر، وربيع وربيع إلى آخرها، فيحلونه عامًا ويحرِّمونه عامًا؛ ﴿ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارةً يقدِّمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية -وهو المحرَّم- وتارة يُنسئونه إلى صفر؛ أي: يُؤخِّرُونه. وقد [قال] : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُم؛ ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضَر» [متفق عليه].

أي: إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرَّم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما يعتمده جهلة العرب، مِنْ فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم.

الآية (38-39): هذا شروع في عِتاب من تخلَّف عن رسول الله في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحَمَارَّة القَيْظِ، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: إذا دُعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أي: تكاسلتم ومِلتم إلى الـمُقام في الدَّعة والخفض وطيب الثمار ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ؟ أي: ما لكم فعلتم هكذا؟ أَرِضًى منكم بالدنيا بدلًا من الآخرة؟!

ثم زهَّدَ تبارك وتعالى في الدنيا، ورغَّب في الآخرة، فقال: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ، عن المستَوْرِد أخي بني فِهْر قال: قال رسول الله : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدُكم إصبعه هذه في اليَمّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع». وأشار بالسبابة. [رواه مسلم]. فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل.

ولَـمَّا حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاةُ قال: ائتوني بكفني الذي أُكفَّن فيه، أنظر إليه. فلمَّا وُضِع بين يديه نَظَر إليه فقال: أمَا لي من كَبِير ما أخلّف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولَّى ظهره فبكى، وهو يقول: أفٍّ لكِ من دار، إن كان كثيرُكِ [لقليلاً]، وإن كان قليلك [لقصيرًا]، وإن كُنّا منكِ لفي غرور.

ثم توعَّد تعالى على ترك الجهاد فقال: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا قال ابن عباس: استنفَر رسول الله حيًّا من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القَطْر فكان عذابهم.

﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ أي: لنُصْـرَة نبيِّه وإقامة دينه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

قوله: ﴿ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا أي: ولا تضرُّوا الله شيئًا بتولِّيكم عن الجهاد، ونُكُولكم وتثاقلكم عنه، ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.

الآية (40): يقول تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيِّده وكافيه وحافظه، كما تولَّى نصره ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ أي: عام الهجرة لَـمَّا هَمَّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا صحبة صِدِّيقه وصاحبِهِ أبي بكر ابن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطَّلَبُ الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر يجزع أن يطَّلع عليهم، فيَخْلُص إلى الرسول عليه الصلاة والسلام منهم أذًى، فجعل النبي يُسَكِّنه ويَثبِّته ويقول: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» [متفق عليه].

ولهذا قال تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أي: تأييده ونصره عليه، أي: على الرسول في أشهر القولين: وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول لم تزَل معه سكينة، وهذا لا يُنافي تَجَدُّد سكينة خاصة بتلك الحال؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا أي: الملائكة، ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا . قال ابن عباس: يعني بـ﴿ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا : الشرك، و﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي: لا إله إلا الله. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله عن الرجل يقاتِل شجاعةً، ويقاتِل حَمِيَّةً، ويقاتِل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي: في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يُضامُ مَن لَاذَ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿ حَكِيمٌ في أقواله وأفعاله.