حجم الخط:

الآيات (37-41)

الآية (37): ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ، كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج:22]، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسّه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلّما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم إلى أسفلها.

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها. عن أنس قال: قال رسول الله : «يُؤتَى بالرجل من أهل النار، فيقول: يا ابن آدم، كيف وجدت مَضْجَعك؟ فيقول: شَرَّ مضجع، فيقول: هل تفتدي بقُراب الأرض ذهبًا؟» قال: «فيقول: نعم يا رب! فيقول: كذبت! قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل: فيُؤْمَر به إلى النار» [رواه مسلم].

الآية (38-40): يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وروي أن ابن مسعود كان يقرؤها: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما». وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا قُطعت يده به، سواء كان قليلًا أو كثيرًا لعموم هذه الآية. وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قَدْره. ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا أي: مجازاةً على صنيعهما السيِّئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يُقطع ما استعانا به في ذلك، ﴿ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ أي: تنكيلًا من الله بهما على ارتكاب ذلك، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي: في انتقامه ﴿ حَكِيمٌ أي: في أمره ونهيه وشرعه وقدَره. ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردِّها إليهم أو بدلها عند الجمهور. وعن عبد الله بن عمرو: أن امرأةً سرقت على عهد رسول الله ، فقال رسول الله: «اقطعوا يدها»، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار. قال: «اقطعوا يدها» فقُطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: «نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك». فأنزل الله في سورة المائدة: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وعن عائشة أن قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأة التي سَرَقَت في عهد النبي ، في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّم فيها رسول الله ؟ فقالوا: ومن يَجْتَرِئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله ؟ فأتي بها رسولُ الله ، فكلَّمه فيها أسامة بن زيد، فتلوّن وجهُ رسول الله فقال: «أتشفع في حَدٍّ من حدود الله عز وجل؟!»، فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العَشي قام رسول الله فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَق فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحد، وإني -والذي نفسي بيده- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها» [متفق عليه]. ثم قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه، الذي لا مُعَقِّبَ لحكمه، وهو الفعال لما يريد ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

الآية (41): نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدّمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي: مستجيبون له، منفعلون عنه ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ أي: يتأوَّلونه على غير تأويله، ويبدِّلونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون. ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا . [سبب النزول]: نَزَلت في اليهوديَّيْن اللَّذَيْن زَنَيـَا، وكانوا قد بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أُحْصن منهم، فحرَّفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين! فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.

فرسول الله حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقرِّرَهم على ما بأيديهم، ممَّا تواطئوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلمَّا اعترفوا به -مع عَملهم على خلافه- بَان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لِـمَا يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، لهذا قالوا: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا أي: الجلد والتحميم ﴿ فَخُذُوهُ أي: اقبلوه، ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أي: من قبوله واتباعه. ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .