حجم الخط:

الآيات (38-44)

الآية (38): ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله. وفي الحديث ذكر ثلاثة هم أول من تُسَجَّرُ بهم النار، وهم: العالم والغازي والمنفق، المراؤون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن يُنفَق فيه إلا أنفقتُ في سبيلك. فيقول الله: كذبتَ؛ إنما أردت أن يقال: جواد، فقد قيل. [رواه مسلم]. ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيحِ وعُدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ؛ فإنه سَوَّلَ لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسَّن لهم القبائح ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا .

الآية (39): ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي: وأيّ شيء يكرثهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعَدَلُوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملًا، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم، فيوفقه ويُلهمه رشده ويُقيّضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه، فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذًا بالله من ذلك.

الآية (40): يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدًا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يُوَفِّيهَا وَيُضَاعِفُهَا له إن كانت حسنة، كما قال: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا [الأنبياء:47].

وفي الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فيقول الله عز وجل: «ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار». وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا» ثم يقول أبو سعيد: اقرأوا إن شئتم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا .

الآية (41-42): يقول تعالى -مخبرًا عن هَول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه-: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد؛ يعني الأنبياء عليهم السلام.

﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ أي: لو انشقت وبلعَتْهُم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ: 40]. ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا أخبر عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئًا.

الآية (43): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السُّكْرِ، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها -وهي المساجد- للجُنُب، إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى باب من غير مُكْثٍ، وكان هذا قبل تحريم الخمر. [سبب النزول]: عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا فرفع رجل لحي بعير ففزر بها أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل أن تحرم الخمر، فنزلت: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ الآية. [رواه مسلم].

﴿ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ هذا أحسن ما يقال في حد السكران: أنه الذي لا يدري ما يقول؛ فإنَّ المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ عن ابن عباس قال: تَـمُرّ به مَرًّا ولا تجلس. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجُنب اللّبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنُّفَسَاء أيضًا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يُمنع مرورهما لاحتمال التلويث. وعن علي: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد الماء. قال ابن جرير: والأوْلَى قول من قال: إلا مجتازي طريق فيه. وهذا الذي نصره هو قولُ الجمهور، وهو الظاهر من الآية.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجدِ حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقه. وذهب أحمد إلى أنه متى توضأ الجُنب جاز له المكث في المسجد. ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أما المرض المبيح للتيمم فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فواتُ عضو أو شَيْنه أو تطويل البُرء. والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير. ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنّى بذلك عن التغوّط، وهو الحدث الأصغر. ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ قُرئ: «لَمَسْتم» و«لامستم»، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين. قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس. قوله: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك. وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة. وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد. والطيّب ههنا قيل: الحلال. وقيل: الذي ليس بنجس.

﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين. والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين. والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة. قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا أي: ومِن عفوه عنكم وغَفْرِه لكم أن شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، توسعةً عليكم ورخصة لكم؛ وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تُفعل على هيئة ناقصة مِن: سُكْر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدَث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء؛ فإن الله عز وجل قد أرخص في التيمم والحالة هذه، رحمةً بعباده ورأفة بهم، وتوسعة عليهم.

الآية (44): يخبر تبارك تعالى عن اليهود أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويُعْرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين في صِفة محمد ، ليشتروا به ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي: يودّون لو تكفرون بما أُنزل عليكم -أيها المؤمنون- وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع.