الآية (38-39): قوله: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ﴾ أي: يهزؤون به ويُكذِّبون بما يتوعدهم به من الغرق. ﴿ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿٣٨﴾ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾، وعيد شديد، وتهديد أكيد ﴿ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي: يُهينه في الدنيا، ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ أي: دائم مستمر أبدًا.
الآية (40): هذه مُواعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة، والهَتَّان الذي لا يُقْلع ولا يَفتُر، بل هو كما قال تعالى: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴾ [القمر:11-14].
وأما قوله: ﴿ وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض؛ أي: صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماءً، وهذا قول جمهور السلف، وعلماء الخلف. فحينئذٍ أمر الله نوحًا عليه السلام أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين -من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات– اثنين: ذكرًا وأنثى.
وقوله: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ﴾ أي: واحمل فيها أهلك، وهم أهل بيته وقرابته، ﴿ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ﴾ منهم، ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه «يام» الذي انعزل وحده، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله. ﴿ وَمَنْ آمَنَ ﴾ أي: من قومك، ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ أي: نَزْر يسير مع طول المدة والمـُقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا منهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسًا. وقيل: كانوا عشرة. والله أعلم وأحكم.
الآية (41): يقول تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال للذين أُمِر بحملهم معه في السفينة: ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: بسم الله يكون جَرْيُها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رُسُوَّها. وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٨﴾ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون:28-29]؛ ولهذا تُستحب التسمية في ابتداء الأمور: عند الركوب على السفينة، وعلى الدابة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف:12-14]، وجاءت السنّة بالحث على ذلك والندب إليه. وقوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين ذكْرُ أنه غفور رحيم؛ كما قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف:167]، وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الرعد:6]، إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين انتقامه ورحمته.
الآية (42): ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ﴾ أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء، الذي قد طَبَّق جميع الأرض، حتى طفَتْ على رؤوس الجبال، وهذه السفينة على وجه الماء سائرةٌ بإذن الله وتحت كَنَفه وعنايته، وحراسته وامتنانه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ [الحاقة:11-12]، وقال تعالى: ﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر:13-15].
وقوله: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ ﴾ الآية، هذا هو الابن الرابع، واسمه «يام»، وكان كافرًا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون.
الآية (43): ﴿ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجَّاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح عليه السلام: ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾ أي: ليس شيء يعصِم اليوم من أمر الله، ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾.
الآية (44): يخبر تعالى أنه لما غرق أهل الأرض إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تُقلِعَ عن المطر، ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ ﴾ أي: شَرَع في النقص، ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ أي: فُرغَ من أهل الأرض قاطبةً ممن كفر بالله؛ لم يبق منهم دَيَّار، ﴿ وَاسْتَوَتْ ﴾ السفينة بمن فيها ﴿ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله عز وجل، فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام. وقال قتادة: استوت عليه شهرًا حتى نزلوا منها.
قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجُودي من أرض الجزيرة عِبرةً وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت، وصارت رمادًا! وقال الضحاك: الجُوديّ: جبل بالموصل. وقال بعضهم: هو الطور.
وقوله: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: هلاكًا وخسارًا لهم، وبُعدًا من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية.
الآية (45): ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ ﴾ هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدُك الحق الذي لا يُخلَف، فكيف غرق ﴿ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾؟