حجم الخط:

الآيات (38-48)

الآية (38-39): يقول تعالى مُخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة -والمراد الذرية-: أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم من أمور الدنيا. ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أي: مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.

الآية (40-41): يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيّجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق. وقوله تعالى: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ : قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سِوَى ذلك؛ فَجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجَّاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته: أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب. ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال ابن عباس: بعهدي الذي أخذت في أَعناقكم للنبي إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.

وقوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي: فاخْشَونِ. ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد النبي الأمي، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ : قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. وقال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد .

وأما قوله: ﴿ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير. وقوله: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية. ومعنى قوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ : أنه تعالى يتوعدهم فيما يعتمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافِهِ، ومخالفتهم الرسول .

الآية (42-43): يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؛ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. وقوله تعالى: ﴿ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ قال مقاتل: أمرهم أن يُصلّوا مع النبي ﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ : أمرهم أن يؤتوا الزكاة، أي: يدفعونها إلى النبي . وقوله تعالى: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخَصّ ذلك وأكمله الصلاة.

الآية (44): يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر - وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قَصَّر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؛ فَتَنَتبِهُوا من رَقدتكم، وتَتَبصَّرُوا من عمايتكم؟! وقال ابن عباس: ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أي: تتركون أنفسكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعَهْد من التوراة، وتتركون أنفسكم، أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي. وليس المراد ذمّهم على أمرهم بالبر، بل على تركهم له.

الآية (45-46): يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤمّلون من خير الدنيا والآخرة، بالاستعانة ﴿ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ قال مقاتل بن حَيَّان: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة. فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، وقيل: المراد بالصبر: الكف عن المعاصي. والضمير في قوله: ﴿ وَإِنَّهَا عائد إلى الصلاة. ﴿ لَكَبِيرَةٌ أي: مشقة ثقيلة ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ أي: الخاضعين لطاعته، الخائفين سَطَوته، المصدقين بوعده ووعيده.

والآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، إلا أنها عامة لهم ولغيرهم. وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ : أي: وإن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات.

الآية (47): يذكّرهم تعالى سَالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فَضَّلهم به على سائر الأمم من أهل زمانهم.

قال أبو العالية في قوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ قال: بما أُعطُوا من الملك والرُّسل والكتب على عالَـم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا، ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم.

الآية (48): لما ذكّرهم تعالى بنِعَمِهِ أولًا؛ عطف على ذلك التحذير من حُلُول نِقَمِهِ بهم يوم القيامة فقال: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا يعني: يوم القيامة ﴿ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أي: لا يُغني أحدٌ عن أحد كما قال الله: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [الأنعام: 164].

وقوله: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ يعني عن الكافرين كما قال: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]. وقوله: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ أي: لا يُقبل منها فداء كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36]. وقوله تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله كما قال: ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: 10].