حجم الخط:

الآيات (38-51)

الآية (38-39): كان من أمر أمه حين كانت ترضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد وُلِدَ في السنة التي يقتلون فيها الغِلمان: [أنها] اتَّخَذَتْ له تابوتًا، فكانت تُرضِعُه ثم تَضَعُه فيه، وتُرسِلُه في البحر -وهو النيل- وتُـمْسِكُه إلى منزلها بحَبْل، فذَهَبَت مرة لِتَربِطَه فانفَلَت منها وذَهَبَ به البحر، فحَصَلَ لها من الغَمِّ والـهَمِّ ما ذَكَرَه الله عنها في قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا [القصص:10]، فذَهَبَ به البحر إلى دار فرعون ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، أي قَدَرًا مقدورًا من الله، حيث كانوا يقتلون الغلمان من بني إسرائيل، حَذَرًا من وجود موسى، فحَكَمَ الله -وله السلطان العظيم والقدرة التَّامة- ألَّا يُرَبَّى إلا على فراش فرعون، ويُغَذَّى بطعامه وشرابه، مع مَحبَّته وزوجته له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي: عند عدوك، جعلته يُحِبُّك، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي قال أبو عمران الجوني: تَرَبَّى بعين الله. وقال ابن أسلم: يعني أجعله في بيت الـمَلِك يَنْعَمُ ويتْرَف، غذاؤه عندهم غذاء الـمَلِك، فتلك الصنعة.

الآية (40-44): قوله: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَنْ يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وذلك أنه لَـمَّا استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فجاءت أخته وقالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]. تعني: هل أدلُّكم على مَن تُرضعه لكم بالأجرة؟ فذَهَبَت به وهُمْ معها إلى أمه، فعَرَضَت عليه ثديها فقَبِلَه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه فَنَالها بسببه سعادة ورِفْعَة وراحة في الدنيا، وفي الآخرة أَغْنَم وأَجْزَل. وقال تعالى ههنا: ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ أي: عليك، ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا يعني: القِبْطِيّ، ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وهو ما حَصَلَ له بسبب عَزْم آل فرعون على قتله، فَفَرَّ منهم هاربًا، حتى وَرَدَ ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25].

﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ لبث مقيمًا في أهل «مدين» فارًّا من فرعون وملئه، يرعى على صِهْره، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقًا لقَدَر الله وإرادته من غير مِيعَاد، والأمر كلُّه لله تبارك وتعالى، وهو الـمُسَيِّر عباده وخلقه فيما يشاء؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ قال مجاهد: أي على مَوعِد. وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة.

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي: اصطفيتك واجتبيتك رَسُولًا لنفسي، أي: كما أُريد وأشاء. ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي أي: بِحُجَجي وبراهيني ومعجزاتي، ﴿ وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي قال ابن عباس: لا تُبْطئا. وقال: لا تَضْعُفا. والمراد: أنهما لا يَفْتُرَان في ذكر الله، بل يَذْكُران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذِكْرُ الله عَونًا لهما عليه، وقُوَّة لهما وسلطانًا كاسرًا له. ﴿ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ أي: تَـمَرَّدَ وَعَتَا وتَجَبَّر على الله وعصاه، ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتوِّ والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمِرَ ألَّا يُخاطِب فرعون إلا بالملاطفة واللين، وأن دعوتهما له تكون بكلام رَقِيق لَيِّن قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأَبْلَغَ وأَنْجَع؛ كما قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]. ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ أي: لعله يرجع عمَّا هو فيه من الضلال والهلكة، ﴿ أَوْ يَخْشَىٰ أي: يُوجِد طاعةً من خشية ربه، فالتَّذكّر: الرجوع عن المحذور، والخشية: تحصيل الطاعة.

الآية (45-48): يقول تعالى إخبارًا عن موسى وهارون -عليهما السلام- أنهما ﴿ قَالَا مُستَجِيرَين بالله تعالى شاكيَيْن إليه: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَىٰ يعنيان أن يَبْدُر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما، فيُعَاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك. ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ أي: لا تخافا منه؛ فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليَّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلَّم ولا يتنفَّس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.

وقوله: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ أي: بدلالة ومعجزة من ربك. ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ أي: والسلام عليك إن اتَّبَعْت الهدى؛ ولهذا لَـمَّا كَتَب رسول الله إلى هرقل كتابًا، كان أوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبَع الهدى...» [متفق عليه].

﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوَحي المعصوم أن العذاب مُتَمَحِّضٌ لِـمَن كَذَّب بآيات الله وتوَلَّى عن طاعته؛ كما قال تعالى ﱡﭐ وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [القيامة: 32]. كَذَّبَ بقلبه وتَوَلَّى بفعله.

الآية (49-51): يقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى منكرًا وجود الصانع الخالق، إله كل شيء وربه ومليكه، قال: ﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ أي: الذي بعثك وأرسلك مَنْ هو؟ فإني لا أعرفه، وﱡﭐ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ قال سعيد بن جبير: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه. قال بعض المفسرين: كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ [الأعلى:3] أي: قَدَّرَ قَدَرًا، وهَدَى الخلائق إليه، أي: كَتَب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول: ربنا الذي خلق الخلق، وقدَّر القَدَر، وجَبَل الخليقة على ما أراد.

﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لَـمَّا أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خَلَقَ ورَزَقَ وقَدَّر فَهَدَى، شرع يَحتَجُّ بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم -إذا كان الأمر كما تقول- لم يعبدوا ربك، بل عبدوا غيره؟!