الآية (39): قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ أي: على قدرته على إعادة الموتى ﴿ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾ أي: هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة، ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ أي: أخرجت من جميل ألوان الزروع والثمار ﴿ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
الآية (40): قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ﴾ قال ابن عباس: الإلحاد: وضع الكلام على غير مواضعه. وقال قتادة وغيره: هو الكفر والعناد. وقوله: ﴿ لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ فيه تهديد شديد، ووعيد أكيد؛ أي: أنه تعالى عالم بمن يُلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال؛ ولهذا قال: ﴿ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾؟! أي: أيستوي هذا وهذا؟! لا يستويان.
ثم قال عز وجل تهديدًا للكفرة: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ قال مجاهد والضحاك وعطاء: وعيد؛ أي: من خير أو شر، إنه عليم بكم وبصير بأعمالكم؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
الآية (41): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ قال الضحاك والسدي وقتادة: وهو القرآن. ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: منيع الجناب، لا يُرام أن يأتي أحد بمثله.
الآية (42): ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه مُنزل من رب العالمين؛ ولهذا قال: ﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه، الجميع محمودة عواقبه وغاياته.
الآية (43): ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما قد كُذّبتَ فقد كُذّبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لمن تاب إليه. ﴿ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: لمن استمر على كفره، وطغيانه، وعناده، وشقاقه، ومخالفته.
الآية (44): لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته، وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون، نبَّه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنُّت؛ كما قال عز وجل: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴿١٩٨﴾ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء:198-199]. وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم، لقالوا على وجه التعنُّت والعناد: ﴿ لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي: لقالوا: هلَّا أُنزل مفصلًا بلغة العرب، ولأنكروا ذلك فقالوا: أعجمي وعربي؟! أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟! هكذا رُوي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم. وقيل: المراد بقولهم: ﴿ لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي: هلُّا أُنزل بعضها بالأعجمي، وبعضها بالعربي. هذا قول الحسن البصري، وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله: (أعجمي)، وهو رواية عن سعيد بن جبير. وهو في التعنت والعناد أبلغ.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هُدًى لقلبه، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب، ﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه، ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء:82].
﴿ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم. قال ابن جرير: معناه: كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد، لا يفهمون ما يقول.
قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:171]. وقال الضحاك: يُنادَون يوم القيامة بأشنع أسمائهم.
الآية (45): قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ أي: كُذّب وأوذي، ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف:35]. ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾ إلى أجل مسمى بتأخير الحساب إلى يوم المعاد ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: لعجَّل لهم العذاب، ﴿ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾ [الكهف:58]، ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ أي: وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا، بل كانوا شاكين فيما قالوا، غير محققين لشيء كانوا فيه. هكذا وجَّهه ابن جرير، وهو محتمل، والله أعلم.
الآية (46): يقول تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك على نفسه، ﴿ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه، ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ أي: لا يعاقب أحدًا إلا بذنبه، ولا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه.